.
.
.
.

ترويج العلوم

عبدالرحمن السلطان

نشر في: آخر تحديث:

ندرك جميعاً أن الفصل الدراسي ليس المكان الوحيد للبناء المعرفي، وتؤكد ذلك الدراسات التي تشير إلى أن القسط الأكبر من التعرض للعلوم وتراكم التجارب يحدث خارج أسوار المدرسة.

التعرض للعلوم والتأثر بها خارج أُطر التعليم النظامي يطلق عليه: "ترويج العلوم Science Promotion"، الذي له عدة تعريفات وحدود مختلفة، أستطيع من خبرتي في مجالات التوعية والعلوم أن أعرفه بـ"جهود تبسيط ونشر المبادىء العلمية وتطبيقاتها وأثرها لغير المختصين في المجتمع"، ناهيك عن أن تطوير رأس المال البشري يتطلب انخراط جموع متزايدة من اليافعين في دراسة العلوم والتقنية، وبالطبع فإن هؤلاء لا يمكن أن يختاروا هذه التخصصات العلمية مساراً لمستقبل حياتهم من دون جذبهم لعوالم العلوم أولاً.

ترويج العلوم يتم عبر عدة مستويات، تتنوع فيها الفعاليات، مثل: ترجمة المستجدات العلمية وتبسيطها، والحقائب التدريبية، والصحافة العلمية، والمسابقات، واللقاءات، والبرامج التلفزيونية، ومواقع الإنترنت، والحوارات مع العلماء، والمهرجانات، والقصص والدراما، وألعاب الفيديو، والتطبيقات الإلكترونية، وأسابيع العلوم، وغيرها مما لا يُحصر من المبادرات والأفكار التي تعزز من إدراك وفهم العلوم وأثرها على تقدم الفرد والمجتمع.

بالتأكيد واقعنا العربي يفصح عن ضعف مؤسسي وفقر مجتمعي لترويج العلوم خارج المدارس والجامعات، وكأنما قصرنا التعليم على المؤسسات التعليمية فقط! وليس من الجديد القول: إن علاقة الكثيرين بالعلوم كانت مقتصرة على المدرسة ثم توقفت بعدها! من دون وجود أي مبادرات تلفت أنظارهم نحو دهشة العلوم مرة أخرى.

عدة مسارات يتطلبها ترويج العلوم، أولها: مسار التنظيمات الحكومية التي تؤطر وتحفز مبادرات ترويج العلوم، مما يساعد ليس على إطلاق ومأسسة نشاطها فقط، بل الأهم استمرارها وإيصالها إلى الفئات المستهدفة، ناهيك عن تبني المبادرات المجتمعية لترويج العلوم واحتضانها حتى يشتدّ عودها.

ثم مسار المؤسسات التعليمية وجمعيات النفع العام اللتان يقع على عاتقهما مسؤولية رفع الوعي بالثقافة العلمية والعمل على نشر وتبسيط العلوم والتقنية بين مختلف فئات المجتمع، وتشجيع المبادرات والاستثمار المجتمعي في مجالات العلوم الحديثة والتقنيات المتقدمة، مما يساعد على تعزيز مستقبل الابتكار والإبداع الوطني، وهو ما نراه بوضوح في نشاطات مؤسسات المجتمع المدني في الولايات المتحدة وأوروبا، التي تكاد أن تخصصت في كل مجالات العلوم وأبدعت في تثقيف جمهورها المستهدف.

ولا تكتمل تلكم المسارات من دون مسار تعزيز التواصل العلمي، عبر مد قنوات التواصل ليس بين وسائل الإعلام ومجتمع العلم فقط، بل ببناء وتطوير المهارات الاتصالية لدى العلماء مما يمكنهم من التواصل الفعال مع أفراد المجتمع ووسائل الإعلام، كاللقاءات المباشرة مع العلماء وتسليط الضوء على حياتهم وإنجازاتهم، وتنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية باللغة الوطنية.

"ترويج العلوم" ليس ترفاً مجتمعياً أو مجرد فعاليات ترفيهية، بل ضرورة يفرضها تسابق الأمم نحو المستقبل، الذي لن نستطيع المشاركة الفعالة فيه من دون أن يكون للعلوم نصيب أساسي من حياتنا.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.