.
.
.
.

ميخائيل نعيمة واحتراف الأدب!

سعد الحميدين

نشر في: آخر تحديث:

«المحبة ليست عمياء. بل إن لها عينا تخترق كل الحجب، ولذلك لا تبصر من عيوب على الإطلاق، وأنتم عندما تطهر المحبة أبصاركم لن تستطيعوا أن تروا شيئا غير جدير بمحبتكم، إنما تبصر العيب أعين محرومة من المحبة ومليئة العيوب، وما العيوب التي تبصرها إلا عيوبها»

( ميم/ نون)

الأديب في تعريفه التقليدي هو من أخذ من كل شيء بطرف، ظل هذا العرف سائدا لفترات طويلة يُتناقل عبر الكتب والأحاديث، وكأنه قانون يلتزم به كل من هوى الأدب واتخذه مهنة يعرف من خلالها بما يقدم من فنون أدبية من شعر ونثر، ومع مرور الزمن أصبح الأخذ بكل شيء بطرف يتحول من المسمى العرفي له إلى انشطارات وتشظيات، فمن يرى أن التخصص في فرع من الأدب هو الذي يقوم الأداة عمن دخل عالم الإبداع، فالشاعر يجب أن لا يتخطى ساحة الشعر، والقاص كذلك، والروائي يظل في استمرار يكتب الروايات، والناقد/ الدارس يحوم حول فن من هذه الفنون، وكان وربما ما زال من يرى إلى ذلك أنه الصواب، وحتى في مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة، كان ينظر إلى مسألة التخصص في فن معين من الفنون الأدبية أنه هو الصواب ولا يجانبه.

لكن الأدب ذاته لم يقبل من حالة (التمترس )عند حد معين، فمنح الشاعر الفرصة ليكتب ما يشاء المقال -القصة/ الرواية- وما يندرج في إطار الفن الأدبي كافة مشترطا أن يكون قادراً وملما بما يريد أن يسير مركبه في بحره أو نهره، ويعني بذلك سعة المعرفة وتنوع الاطلاع العميق في الفنون المتعلقة بما يري أنه يملك القدرة على عملية توصيل ما يقوم به من عمل إلى المتلقي، فأصبح الأديب الملم صاحب الخلفية المعرفية المتنوعة، والواعبة المستوعبة لشؤون الثقافة، يكتب فيما تدفعه معرفته إليه بإجادة تامة، ونماذج الأدباء ممن يتصفون بهذه القدرات كان الأديب اللبناني الراحل (ميخائيل نعيمة) الذي عرفت عنه هذه الصفة والقدرة منذ عقود، وسبب الذكرى انبعثت عندما كنت قبل أيام أتجول بين رفوف (المكتبة التراثية) وجدت رفاً كاملا يزدان بطبعات جديدة بمعظم مؤلفات نعيمة التي ربما قرأتها كلها، أو أكثرها، فبرزت صورة الأديب متعدد الأنواع في نتاجه فأخذت في تصفح كتابه (الغربال) الذي ما زلت أقدره فإذا مقدمة المفكر (عباس محمود العقاد) للكتاب تصافح عيني وتذكرني بما سبق أن قرأت في القرن الماضي: «صفاء في الذهن واستقامة في النقد، وغيرة على الإصلاح، وفهم لوظيفة الأدب، وقبس من الفلسفة، ولذعة من التهكم، هذه خصال واضحة تطالعك من هذا (الغربال) الذي يطل القارئ من خلاله على كثير من اللقطات البارعة والحقائق القيمة» قول مذهل للعقاد عن مؤلف لم يكن معروفا حينها في زمن كان يوجد فيه رواد الأدب العربي وقادة الحركة الفكرية والثقافية مثل: أحمد لطفي السيد، فارس الخوري، وطه حسين، ومارون عبود، وتوفيق الحكيم، والعقاد - نفسه - ومحمد مندور وغيرهم ممن استولوا على الساحة الفكرية في الوقت ذاته، لقد دار بخلدي أن العقاد في مديحه لكتاب نعيمة ما كان يحمله ما كان يضمره هو من رأي حول الشاعر ( أحمد شوقي ) يخالف الآخرين ويمس شاعرية شوقي، وخاصة عندما قرأت في كتاب الغربال نقدا لأبيات من قصيدة لشوقي أورد منها:

وقد سبقت ركائبي القوافي

مقلدة أزمتها طرابا

وتهديك الثناء الحر تاجا

على تاجيك مؤتلقا عجابا

علق نعيمة: «ماذا يؤهل هذه الأبيات لأن تدعى شعراً ؟ إذ لا رسم فيها جديدا ولا فكرا مبتكرا ولا عاطفة حية تزيد على العاطفة التي وصفها في الأبيات السابقة. بل جل ما يقال فيها إنها لو قام الخليل بن أحمد من قبره وعرضت عليه لقال إنها مُحْكَمة النظم وإنها من البحر الوافر» .

فـ (نعيمة) ناقد في غرباله تصدى للزحافات والعلل، ونال من التقعر في اللغة، وناش البلاغة بسخريته لكونها لا تحتاج لمقاييس سوى ما يراه الذوق واصفا نقده بالذاتي فهو لن يخضع لعمل المقاييس الجاهزة، وإنما هو الذي سيحدد منهجه من خلال النص المواجه.

استمر ميخائيل نعيمة ماسكا بالجرأة، فكتب في فنون الأدب، ففي الرواية أصدر (لقاء - اليوم الأخير، وفي القصة - أبو بطة - الآباء والبنون، وفي الفلسفة - مرداد، وفي السيرة الذاتية - سبعون حكاية عمر، وجبران خليل جبران حياته وشعره وفنه، وفي المسرح - أيوب، ومفكرا ورائيا - في - كرم على درب - مذكرات الأرقش، وفي الرحلات - أبعد من موسكو ومن واشنطن ‘ وفي النقد - الغربال - الغربال الأخير، وفي الشعر - همس الجفون، هذه بعض كتبه وهناك غيرها؛ مما يؤكد أنه احترف مهنة الأدب وتفرغ لها ولم يشغل وظيفة سوى كتابة الفنون الأدبية وكانت مصدر عيشه ومعاشه لأنه قدم للمكتبة العربية كتبا تساوي مكتبة بدأت بكتاب، واستمر حتى نهاية حياته وقلمه يروى العقول قبل الورق، لقد تفرد في حياته التي وهبها للكتابة في خدمة الإنسان دون سواها وهذا نادر المثال من أن الموهبة تقود إلى الاحتراف في عالم الإبداع! غير أن نعيمة استمر في كتابة النقد تحت شعار من غربل الناس نخلوه، مستعيضا بـ «كلما بريت قلمي براني» وظل مخلصا لصحبة القلم حتى غادر الدنيا مورثا رصيدا ثقافيا مصيره الخلود

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة