منظم درجة الحرارة

 زياد آل الشيخ
زياد آل الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

كثير من المشكلات التي تواجهنا اليوم، اجتماعية كانت أو اقتصادية، ذات مظاهر تعبر جزئيا عن طبيعتها إنما لا تعكس الصورة كاملة، فلكل مشكلة أبعاد ظاهرة وأخرى خفية، فإن أغفلت أبعاد المشكلة كاملة لأي سبب فسيكون الحل قاصرا. على سبيل المثال، ازدحام المدن بالمركبات من أكثر المشكلات شيوعا إلا أن الحلول التي قدمت كانت غالبا قاصرة، فقد فشلت حلول كثيرة لأنها أغفلت جوانب مهمة من المشكلة، فإذا زاد عدد المركبات في مدينة ما، أنشئت طرق جديدة، فيقل الزحام في المدى القصير والمتوسط، إنما ستستمر المشكلة في النمو حتى يصعب زيادة الطرق مع استمرار زيادة عدد المركبات، لحل مشكلة زيادة أعداد السيارات، سيرى البعض استبدال المواصلات العامة بالمركبات، فيستثمر في شبكة مواصلات عامة، لكن المركبات ستستمر في الزيادة؛ لأن مستخدميها يفضلون التمتع بخصوصيتهم ووجاهتهم الاجتماعية، ولو فرض على المدينة عدد من المركبات في اليوم كما فعلت المكسيك في عاصمتها، فإن الحل سيؤدي إلى نتائج عكسية.

كانت شبكة العلاقات الخفية لمشكلة المواصلات المعقدة تتضح مع كل حل يفشل، فمهما كانت المعلومات كاملة فإن خفاء الأسباب والنتائج يصعب من الحل، فيفشل الواحد تلو الآخر كما تتسبب بعض الحلول بمشكلات جديدة، ولفهم خفاء السبب والنتيجة أعرض لمثال افتراضي قدمه ميلتون فريدمن الاقتصادي المعروف في انتقاده للسياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي.

إذا افترضنا أن منظم الحرارة الذي يعمل في مكان ما يقيس درجة الحرارة بدقة مشغلا نظام التكييف بكفاءة عالية، فإن المتابع لدرجة الحرارة داخل الغرفة ودرجة الحرارة خارجها لن يجد علاقة بينهما، فمهما انخفضت درجة الحرارة خارج الغرفة فإن درجة الحرارة داخلها لا تتغير، ستؤدي هذه الملاحظة إلى أن درجة الحرارة في الخارج لا تؤثر في الداخل، وإذا نظر آخر إلى استهلاك الكهرباء، سيجد علاقة عكسية بين درجة الحرارة خارجيا ومعدل الاستهلاك، فكلما انخفضت درجة حرارة الخارج ارتفع استهلاك الكهرباء، ستؤدي الملاحظة إلى أن استهلاك الكهرباء يخفض درجة الحرارة في الخارج أو العكس، في كل الأحوال، سيتفق الاثنان، بالنظر إلى ما سبق، أن معدل استهلاك الكهرباء ودرجة الحرارة في الخارج لا علاقة لهما بدرجة الحرارة داخل الغرفة، وبناء على ذلك سيبدو من المنطقي إيقاف نظام التكييف لخفض كلفة استهلاك الكهرباء، وإن اتخذ قرار إيقاف التكييف دون مراجعة فرضياته، فمهما انخفضت درجة الغرفة، فسينظر في أسباب وحلول أخرى للسيطرة على المشكلة الجديدة.

سيبدو مثال منظم درجة الحرارة بدهيا لفهمنا الدقيق لأبعاد المشكلة، إنما لو كان هذا الفهم مغلوطا، فإن مراجعته ستتطلب شجاعة وحذقا في أساليب الإقناع المختلفة، ينطبق هذا المثال على جميع المشكلات التي لم نفهمها بعد، أو التي نظن أننا فهمناها ونتائج فهمنا لها ممثلة في قرارات الحل التي اتخذناها تقول لنا غير ذلك.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط