.
.
.
.

دراما التراب

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

نظرت خارجا فرأيت كومة تراب..

لا أدري لماذا تمسكت عيناي بالنظر إليها، لعل نداءً خفيا طبيعيا دوّى في اللاوعي فأنصت له البصر وأصر أن يتواصل مع الطبيعة، وإن كانت حفنة تراب.

لمّا فصل الإنسان رابطه مع الطبيعة أتى أثر سلبي، وقد وجدت دراسة أن المشي بل مجرد أن تقف حافيا على الزرع ينشط الدورة الدموية وله فوائد صحية ملموسة، دراسات أخرى وجدت تأثيراً قوياً لمن عاشوا بقرب الماء والخضرة عكس من عاشوا بين المباني والإسفلت.

أحد كبار الصحابة لقبه الرسول بأبي تراب فصارت أحب الكنى إليه، وتعرف من هو الآن طبعا.

التراب سلاح أخلاقي، جاء رجل فأخذ يمدح عثمان بن عفان، فعمد المقداد رضي الله عنه - وكان رجلا ضخما - فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فسأله عثمان مستغربا: ما شأنك؟ فقال المقداد: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».

مشى هرقل على التراب بعد انتصاره الكبير على الفرس، وكان بين الفرس والروم معارك هائلة وحروب طاحنة، وقد كان الناس أيضا في العصر نفسه يحثون على رؤوسهم التراب كنوع من التذلل.

زرادشت قدّس التراب ونهى أتباعه أن يدفنوا فيه الموتى. وظل قومه هكذا فترة طويلة حتى أتى الإسلام، وكانوا يستنكرون رؤية الروم والمسلمين يدفنون الموتى. وفي أواخر تاريخ أمة فارس الساسانية زار وفد المسلمين رئيسهم يزدجرد وآخر ملوكهم، فقال: من أشرفكم؟ فتقدم عاصم بن عمرو التميمي بجسارة، وقد ظن أن الملك الفارسي المغتاظ من هجمات المسلمين ينوي القتل، وقال: أنا أشرفهم، فأمر يزدجرد أن يوضع على رأسه دلو من التراب، وأمرهم أن يخرجوا، ومضى عاصم إلى سعد بن أبي وقاص متفائلا بالتراب، قائلا: لقد ملّكنا الله أرض فارس، وأتت معركة القادسية بعدها.

للتراب قصص عجيبة ودراما في التاريخ البشري.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة