.
.
.
.

"ذا لاين": نمذجة حضارة المستقبل وفلسفة الرفاه

عبدالله الحسني

نشر في: آخر تحديث:

لعلّ من أهم مزايا خطابات سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - عرّاب الرؤية ومُلهم الأجيال - أنه خطاب دقيق وواضح لا يعمد للمواربة أو التشتيت؛ فدقّة المصطلحات والمفاهيم لديه جليّة تعكس صفاءً ذهنيّاً وتنظيماً فكريّاً يجعل من رسالته التي يودّ إيصالها سهلة وواضحة ودقيقة. من هنا فإن متانة خطاباته ورصانتها وبُعدها عن اللبس والتشتيت، يعزّزها رفدها بأرقام ووقائع وحقائق حقيقية ليست مجرّدة؛ أرقام يسردها بفكر الواثق المتّكئ على معلومات موثّقة ودقيقة، هذا الخطاب العميق في لغته وقوّة تواصله مع المتلقّي بات سمة بارزة في حضوره الرسمي حين إعلان مشروع أو تدشينه، مما يوفّر على من يتابعه عناء البحث والتقصّي.

في إعلان صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس إدارة شركة نيوم، عن إطلاق مشروع مدينة «ذا لاين» في نيوم كنموذج لما يمكن أن تكون عليه المجتمعات الحضرية مستقبلاً، ومخططاً يكفل إيجاد التوازن للعيش مع الطبيعة، في هذا الإعلان المفعم بالأمل والخيارات المذهلة يلفت النظر ويسترعيه؛ مفردة "ثورة حضارية"؛ وهي تحيل لمفهوم ومصطلح كبير وعميق ومبهج؛ وبعيداً عن التعريفات والاشتقاقات والجذور اللغوية المتعددة لمفردة الحضارة؛ فإن من أهم التعريفات ذات الدلالة الواصفة والمُوجِزة؛ هو تعريف الكاتب والمؤرخ الأميركي البارز وذائع الصيت ويليام جيمس ديورانت (1885 - 1991) وصاحب الموسوعة الشهيرة "قصة الحضارة" الذي عرّف الحضارة بأنها: نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ من حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها".

التعريف المجتزأ أعلاه بالغ الدلالة والعمق؛ فهو يربط ضمن ما يربط بين الرفاه والحضارة ودورها في القضاء على القلق والتوتّر؛ الأمر الذي يكشف رؤية سمو ولي العهد ودلالة رسالته حين إعلان مشروع "ذا لاين"، فعبارة سموه بأن: "ذا لاين" ستكون ثورة حضارية؛ وبالفعل - كما أكد سموه ستكون ثورة حضارية حقيقية وحدثاً فريداً وتاريخياً لا يجسر على تجسيده واقعاً سوى دولة بحجم المملكة العربية السعودية وبقيادة كقيادتها؛ ورؤية عبقرية مذهلة صانعها وصائغ فرادتها محمد بن سلمان.

ولا غرو في ذلك؛ فمدينة «ذا لاين»؛ ستضم مجتمعات إدراكية مترابطة ومعززة بالذكاء الاصطناعي على امتداد 170 كلم ضمن بيئة بلا ضوضاء أو تلوث، وخالية من المركبات والازدحام، واستجابةً مباشرة لتحديات التوسع الحضري التي تعترض تقدم البشرية، مثل البنية التحتية المتهالكة، والتلوث البيئي، والزحف العمراني والسكاني.

ومثل هذه المفردات الحضارية الطموحة خليقة بأن تُحدث بيئة إعجازية فارهة؛ باعثة للإبداع والجمال والتفوّق البشري لشعب المملكة، بما يملك من طموح وتوثّب نحو المستقبل المشرق الزاهي؛ تحت هدي ونهج وقيادة عظيمة كقيادتنا.

وبعيداً أيضاً عن التفاصيل الكثيرة والكبيرة في فحواها وأثرها وقيمتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية لهذا المشروع؛ فإنّ ثمة ملمح مهم لا يسوغ تجاوزه؛ وهو أن هذا المشروع هو نمذجة عبقرية للمشاريع الأسطورية الكبرى؛ وحُقّ لهذا العمل أن يكون بداية لتدشين عصر حضاري خلاّق؛ سيكون أقنومة ودُرّة كونية تباهي بها المملكة الجميع؛ سيما أن هذا المشروع يأتي في ظلّ ظروف سياسية واقتصادية وإنسانية مرتبكة وقلقة ومتقلقلة؛ لكنها عبقرية الرؤية وفرادة التفكير وبُعد الهِمّة وصلابة الإرادة والطموح.

إن الرؤية الفلسفية والانهمام الوجودي والكوني من مضار التلوّث والصخب والضوضاء وكل ما يهدد سلامة البشر؛ كان حاضراً في حديث الأمير محمد بن سلمان؛ وما تحذيره من ازدياد عدد الوفيات وتمدد المدن على حساب البشر إلاّ ناقوس خطر دقّه سموه بإشفاق المُحبّ؛ فتم التأكيد على أن «ذا لاين» ستعمل على تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 على صعيد التنويع الاقتصادي من خلال توفير 380 ألف فرصة عمل، والمساهمة بإضافة 180 مليار ريال (48 مليار دولار أميركي) إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2030م؛ كما صرّح سموه بقوله: «على مدى العصور بُنيت المدن من أجل حماية الإنسان بمساحات ضيقة، وبعد الثورة الصناعية، بُنيت المدن لتضع الآلة والسيارة والمصنع قبل الإنسان، المدن التي تدعي أنها هي الأفضل في العالم، يقضي فيها الإنسان سنين من حياته من أجل التنقل، وسوف تتضاعف هذه المدة في 2050، وسوف يُهجّر مليار إنسان بسبب ارتفاع انبعاثات الكربون وارتفاع منسوب مياه البحار»، كما تساءل سموه: «لماذا نقبل أن نضحي بالطبيعة في سبيل التنمية؟ ولماذا يُتوفى 7 ملايين إنسان سنويًا بسبب التلوث؟ ولماذا نفقد مليون إنسان سنوياً بسبب الحوادث المرورية؟ ولماذا نقبل أن تُهدر سنين من حياة الإنسان في التنقل؟».

ولم يكتفِ سموه بالتحذير بل وضع الحل الناجع: «نحن بحاجة إلى تجديد مفهوم المدن إلى مدن مستقبلية، واليوم بصفتي رئيس مجلس إدارة نيوم أقدم لكم «ذا لاين»؛ مدينة مليونية بطول 170 كلم، تحافظ على 95 % من الطبيعة في أراضي نيوم، صفر سيارات، صفر شوارع، وصفر انبعاثات كربونية».

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة