.
.
.
.

دروس من وباء كورونا

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

الإنسان بطبعه لا يتعلم من أخطاء غيره بسهولة، كثير من الأخطاء القاتلة حدثت لمن قبلنا وسمعنا أو قرأنا عنها، وكتب التاريخ مليئة بالدروس والعبر، لكننا نكررها عن جهل، أو ظناً منا أنها لن تحدث لنا، وقد جاء وباء كورونا ليعطي العالم أجمع دروساً عملية كثيرة على مستوى الأفراد والدول، فعلى مستوى الأفراد أثبت هذا الوباء عملياً أن الوقاية من تباعد ونظافة ولبس كمامة من أهم وسائل مكافحة الأوبئة، وأن السبيل إلى ذلك لا يأتي بالنصح أو نشره في وسائل الإعلام فقط، لكن بجعله إلزامياً ومتابعة تطبيقه بحزم، ولولا ذلك لما طبقه بعض أفراد المجتمع، ولبقيت المناسبات الكبيرة قائمة، والمصافحة والعناق والازدحام في الأسواق والمساجد هي السائدة، وأما على مستوى الدول فقد كانت الدروس قاسية لقطاعي الصحة العامة والاقتصاد بكل فروعه، كما بينت أيضا كيف تأثرت الدول التي تهاونت في تطبيق إجراءات الوقاية فدفعت الثمن غالياً وضاقت مستشفياتها بالمرضى، وبقي الكثير منهم يواجه مصيره في منزله أو في دور الرعاية، وعلى العكس منها الدول التي اتخذت إجراءات صارمة وملزمة مثل تايوان وكوريا والصين واليابان والسعودية، فهذه الدول استطاعت السيطرة على الوباء، ففي تايوان لم تتجاوز الإصابات خمس مئة إصابة على مدى العشرة أشهر السابقة، ذلك أنها تعلمت الدرس جيداً من وباء مشابه قبل أكثر من عشر سنوات تسبب في إصابة ووفاة آلاف الضحايا.

المملكة كانت من بين الدول التي نجحت في تحجيم الوباء بفضل ما قامت به وزارة الصحة مع الوزارات المعنية من خطوات غير مسبوقة، وبدعم كبير من المقام السامي وبتوجيه مباشر من الملك سلمان ومتابعة ولي عهده الأمير محمد بن سلمان. إجراءات لم يكن لها أن تطبق بهذه الدقة لولا أنها ملزمة للجميع ومن يخالفها يتعرض للمساءلة والعقاب، كما كانت المملكة سباقة في الحصول على اللقاح وتوفيره للجميع من مواطنين ومقيمين دون مقابل، وبتنظيم رائع يشهد له كل من أخذ جرعة اللقاح، وأكثرهم غادر المكان وهو يلهج بالدعاء والفخر لما وصلت إليه الإجراءات من سلاسة وحسن تنظيم.

وباء كورونا يلملم أشتاته ويهم بالمغادرة، لكن ما يعانيه المجتمع من أمراض أخرى أشد فتكاً لا تزال قائمة وتزداد انتشاراً، ذلك أن تلك الأمراض مستوطنة وتأتي على مهل ولا تنتقل بالعدوى، بل أصبحت جزءاً من ثقافة المجتمع، وضريبة الوفرة المالية والجهل بنتائجها، والتواكل الذي يسيء إلى التوكل والأخذ بالأسباب، ومن تلك الأمراض داء السمنة "حاضن الكثير من الأمراض" الذي يشكل واحداً من أكثر مسببات الأمراض والإعاقة، كما أنه من أسباب انتشار الأمراض النفسية بين الشباب والشابات. ضحاياه بالآلاف سنوياً وما يصرف على علاج الأمراض الناتجة عنه تعد بالمليارات وخصوصاً مرض السكري الذي تحتل فيه المملكة مرتبة متقدمة بين دول العالم، ومثله آفة التدخين المسؤولة عن الكثير من أمراض الرئة والقلب والشرايين وأمراض السرطان بأنواعها، داء خبيث تتأثر به كل أعضاء الجسم من البلعوم حتى المثانة، وقد قدرت منظمة الصحة العالمية عدد الوفيات بسبب التدخين بثمانية ملايين شخص سنوياً على مستوى العالم، أما السبب الثالث للوفيات فهو حوادث الطرق التي تحصد ما بين ثمانية وستة آلاف ضحية كل عام في المملكة، أكثرهم في سنّ تحت الأربعين، إضافة إلى أربعة أضعاف هذا العدد يصبحون من ذوي الإعاقة.

التركيز على مكافحة هذه العوامل الثلاثة التي تقتل كل عام أضعاف ما يقتله وباء كورونا يحتم على الجهات الصحية وكل الوزارات المعنية ومتخذي القرار أن تستفيد من هذا الدرس العملي لمكافحة ومحاصرة وباء كورونا فتجعل الأولوية للوقاية من السمنة، ومكافحة التدخين وحوادث الطرق، وأن تتخذ خطوات عملية ملزمة لتنفيذها من قبل الأفراد والقطاعات الحكومية المعنية.

مكافحة داء السمنة لن ينجح إلا بجعل الكشف الطبي السنوي إلزامي، وجعل قياس الوزن أحد متطلباته، والقيام بحملات مستمرة على سمنة الأطفال والتدخين في المدارس، وتكثيف الحملات في مختلف وسائل الإعلام، وتطبيق نظام مكافحة التدخين بكل دقة، مع ما يمكن عمله من إجراءات أخرى كإكثار الحدائق داخل المدن لتقليل آثار التلوث وإيجاد أماكن للرياضة بأنواعها، كل ذلك كفيل بتفريغ المستشفيات من نصف مرتاديها، ومنع حدوث الأمراض بعلاج مسبباتها أو اكتشافها في وقت مبكر حيث يسهل علاجها، تطبيق هذه الإجراءات الوقائية بحزم وبصفة مستمرة سيجعل المملكة رائدة في الرعاية الصحية على مستوى العالم.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.