.
.
.
.

متعة الحرمان

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

تسمع طرقاً على بابك، تفتح الباب فإذا به مغنٍّ شهير، يبكي قائلا: «أرجوك! لا أستطيع أن أكتب كلمات أي أغنية جديدة، لقد نضبت أفكاري، ساعدني! اكتب لي أي كلمات!» حينها أنا متأكد أنك مهما كتبت فلن تستخدم في كلماتك: «يا ليل يا عين».
هذا ما يحصل عندما يَكثر شيء ما، فانتشاره والإفراط فيه وإن كان جميلا يجعله باهتا مملولا، وإذا زاد الإفراط فلربما صار قبيحا مبغضا، تماما كما جرى مع «يا حبيبي» في الأغاني، فإذا أتت الآن في كلمات أغنية فالغالب أن تأثيرها كتأثير حجر تراه على جانب الطريق: لا مبالاة تامة.
في أول أيام الإنترنت وقعت في يدي موسوعة اسمها «إنكارتا». أبهرتنا! قرص مدمج تُدخله الحاسب فيعرض لك عالما من المعلومات، ترى مقطع المشي على القمر ورسمات مايكل أنجلو ومواقع كل مدينة على الكوكب، شيء ساحر،. اليوم هناك ويكيبيديا والإنترنت، أعظم بكثير في كمية المعلومات، لكن لا يوجد سحر، الكثرة مَحَقَته، والإشباع أزاله، أي شيء جميل تحصل عليه باستمرار ويتوفر في كل مكان يفقد لذته.
التشبع بالمتع يجري في نفس المجرى، ولذلك ستجد أن بعض أثرى الأثرياء من أشد الناس بؤسا، يُغرق نفسه في المتع منذ الاستيقاظ وإلى النوم - والذي لا يأتي إلا بحبة أو شراب -، ولا يطيق أن يكون وحده ولو قليلا وإلا ذُعِر. رأيت فيديو فتاة أميركية فاجأها أهلها بسيارة فاخرة في عيد ميلادها السادس عشر فبكت، ليس فرحا بل حزنا لأنها أرادت ماركة أخرى! وهذه الفتاة يغبطها بعض المتشبعين ممن تعدى ذلك ووصل إلى مرحلة البرود واللامبالاة، أغلى وأندر الأكل يأكله وكأنه يأكل البقول الجافة، يركب أفخم السيارات وكأنه يركب دراجة، لا شيء يثير الحماس أو المتعة، صارت الدنيا رصاصية باهتة باردة مملة. فقدان الحماس والاكتراث أسوأ بكثير.
أنا لست مليونيرا لكن لو وقعتُ فجأة على كنز قارون المدفون فسأحرص أن أطعّم حياتي بفترات من المشقة والتقشف، فبضدها تُعرف الأشياء، وهذه هي المفارقة: أن أكثر ما سيزيد متعتك هو الألم والحرمان!

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.