.
.
.
.

درويش الماضي الحاضر

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

كهف نلجأ إليه كلما تثاقلت علينا أعباء الواقع، للعيش في عوالم الخيال المتصلة به والمتماسة معه فتكسبنا المتعة والوجد والتآنس والطاقة الموجبة التي تشع بين الحنايا حينما يسدل الستار.

ذلك هو المسرح، وذلك هو الكهف المسحور والبلورة السحرية في الوقت ذاته. ذلك ما حير العلماء في تفسيره وفلسفته وتأثيره وتأثره!

أُسدل الستار منذ أيام عن مسرحية السيد درويش على مسرح البالون (الفنون الشعبية والاستعراضية) بوزارة الثقافة المصرية والذي استمر عرضه إلى ما يربو على سبعين ليلة عرض أدهش المشاهد وأمتع الحضور في زمن تشتد فيه جائحة كوفيد 19. ومن هنا كان التساؤل: ماذا في عرض سيد درويش؟ وما (الكبسولة) التي حملها في يده ليقدمها للمشتغلين بالمسرح الذين حاروا في معالجته سنين طوالاً! وما إجابة سؤال دار على صفحات الصحف وحيرة الإعلاميين التي يحاصروننا بها سنوات عدة.

هذه الأسئلة لربما تجد إجابات لوصفة سحرية تشفي صدورنا نحن أهل المسرح قبل المتسائلين أنفسهم.

أولاً: ذلك التماس القوي مع الواقع الكامن في الذهنية من خلال التماس الحر المسؤول مع الواقع في تمازج يدركه المشاهد نفسه بل ويترقب ويراقب تفاصيله الدقيقة من خلال حياة السيد درويش (17 مارس 1892 - 15 سبتمبر 1923م).

السيد درويش هذا الموسيقار الشاب الفذ، الذي عاش حوالي 31 عاماً فقط، لكنه قلب موازين الموسيقى العربية، وأسس لما يسمى بالمدرسة التعبيرية، فنقلها من مدرسة التطريب إلى مدرسة التعبير آنذاك. هذا المبدع الذي ينتمي إلى الطبقة الشعبية الكادحة، ابن مدينة الإسكندرية في مرحلة مهمة من تاريخ مصر حين الاحتلال الإنجليري للبلاد. وهنا يكمن الجوهر بين الحس الفني الإبداعي والحس الوطني المهم في مثل هذه الظروف. هذا التماس مع الواقع بجميع قضاياه الممتدة من الماضي للحاضر جعلت مشاعر المتلقي تلتهب بالوجد وبالوطنية وأيضاً بالمتعة المتمثلة في أغانيه وألحانه. فسيد درويش هو من نقل الموسيقى العربية إلى الموسيقى العالمية حيث أسس فيها لحن (البولوفوني) وهي المسارات اللحنية الثلاثة المتداخلة في تركيب هارموني للحن المتمثل في لحن أغنية (بلادي بلادي)، كما أن اشتغاله بتطوير الموسيقى وفنونها لم يثنه عن التعبير عن وجدان الطبقات العاملة فغنى لها فهو واحد منهم يحسهم ويعبر عنهم ومن هنا حدث ما أسميته في نظريتي (البعد الخامس) بالتسرب الوجداني من خلال العقيدة - الوطنية والكفاح ضد المستعمر، والوجدان الممثل في لوعات الحب والوله الذي عاشها خلال مراحل عمره. وهذا ما قدمه عرض سيد درويش بأسلوب السهل الممتنع. هذا أولاً.

ثانياً: تعاضد جميع المؤسسة مع الإبداع بشكل كبير بداية من معالي الوزيرة "إيناس عبدالدايم" مروراً بالقطاع ومنتسبيه وانتهاء بعمالة المسرح في عمل جماعي يغمره الحب والجماعية؛ وهو ما يتفرد به فن المسرح بل من أهم شروط نجاحه، وذلك هو ما مكن من خروج عرض كهذا، والذي نعتقد أنه سيصبح من علامات المسرح العربي. ثم تأتي آليات العرض.

النص: تناول الكاتب سيد إبراهيم حياة السيد درويش من زاوية الحب والوطنية، ومعاناة التحقق بين الريحاني وبديع خيري والإخوان عطا الله، ومحمد عبدالوهاب. ثلاثة محاور اشتغل عليها ببساطة شديدة، فلم يتعمق في التعقيد والنحت وما إلى ذلك، بل جاء أسلوبه اقرب للسرد من التمسرح أو المسرحة، وأعتقد أن هذه البساطة في الكتابة قد سهلت للمشاهد أن يلعب دور المؤلف نفسه فيكمل ما لم يذكره المؤلف لما في ذهنية المتلقي من صورة كاملة للسيد درويش ونعتقد أن هذه خاصية من خواص أدب السيرة الذاتية.

تناول المخرج -الأكاديمي أشرف عزب- ذلك في شكل مسرح استعراضي تمتزج فيه الدراما بالفنون الشعبية والاستعراضية التي تنتمي إلى تلك الحقبة متنقلاً بين الشام والقاهرة، مؤكداً على الجانب الوطني والعاطفي للسيد درويش وهي زاوية الرؤية التي اتخذها في هذا العمل، ولعل ذلك يرجع إلى هذه الظروف التي يحياها الوطن العربي كـ-تماس شديد مع الواقع- والتي يتوجب أن توقَد فيها جذوة الوطنية والانتماء وهذا ما عمق (التسرب الوجداني) لدى المتلقي في هذا العرض. كما أنه مزج بين الإخراج السينمائي والمسرحي على خشبة المسرح مستعيناً بخبراء الصورة السينمائية مثل المبدع ضياء داوود مع مهندس الديكور الأوبرالي الفنان محمد عبدالرازق؛ هذا تمازج مع خبرات المخرج الفنية والأكاديمية في إخراج مسرح صوّري مبهج ومتعدد المستويات سواء كان في تعدد مستويات التلقي أو الحركة وفنون الإضاءة وغيرها؛ غلفت العرض بغلالة الموسيقى الدرويشية الموزعة توزيعاً حديثاً للموزع حمادة الحسيني وبتصميم الاستعراضات للفنان وفيق كمال. كل هذه المحاور والتي لا يتسع المقال لتناول تفصيلاتها، جعل هذا العرض عرضاً جماهيرياً يتوافد إليه الجمهور بلا دعاية أو تسويق والتي لو حظي بهما لكان أشمل وأعم مما هو متوقع، لكن تسرب اسم العرض بهذا النوع من المسرح جعل الجهمور يتدفق طواعية وحباً سواء كان للموسيقار سيد درويش أو للسعي للمشاهدة والمتعة في زمن تضيق فيه الدائرة بهوس الخوف من كورونا مع كل الوسائل الاحترازية المطبقة. أما المهمة الكبرى التي تعمل على نجاح العرض من عدمه فهو ذلك الحب والتفاني في كواليس العمل والتي نلحظها نحن النقاد حينما يظهر طاقم العمل على خشبة المسرح.

كما أن انتقاء (كاست) العمل كان موفقاً للغاية وهي إحدى مهام المخرج المهمة؛ فنجد الفنان الشاب محمد عادل (ميدو) يجسد شخصية السيد درويش بكل اقتدار على مستوى الغناء والتمثيل وأيضاً اللياقة البدنية طيلة العرض؛ يسانده في ذلك الفنانة لقاء سويدان في دور جليلة ذلك الصوت المستفيض بالحيوية والأداء مستمدة من شخصية جليلة كل تفاصيل (العالْمة) في ذلك الزمن حبيبة البطل آنذاك، وجاء دور رشا سامي في دور حياة صبري حبيبته وزوجته الأخرى موازياً للتنقل بين قلب وقلب وزوجة وزوجة وهي إحدى معاناة البطل الدرامية.

كل هذه التفاصيل تجيب عن سر نجاح عرض سيد درويش على ضفاف النيل مستمداً منه عذوبته وديمومته.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة