.
.
.
.

المواجهة مع club house في السعودية

يحيى الأمير

نشر في: آخر تحديث:

المجتمع السعودي اليوم يمثل الحضور الأكبر على كثير من منصات ووسائل التواصل الاجتماعي. التركيبة الحيوية للمجتمع والتنوع القائم واختلاف الاهتمامات واتساع الشريحة الشابة كلها عوامل أسهمت في تعزيز وكثافة هذا الحضور.

ولقد مثلت تلك المنصات فضاء واسعا للحوار والتعليق والنقاش والآراء ومتابعة مختلف الأحداث والتحولات، وأصبحت أيضا منصات رسمية معتمدة لدى مختلف الأجهزة والوزارات والهيئات الحكومية والخاصة.

يمثل تويتر المنصة الأكثر جدية على وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، ومع القوة التي تمثلها مختلف التطبيقات والتي استحوذت على شرائح واسعة من المستخدمين إلا أنها اتخذت مسارات أخرى أخذت أنماطا مختلفة للتفاعل وبناء المحتوى.

في سناب شات لا تمثل الكتابة ولا اللغة أداة أساسية إذ تعتمد المنصة على المحتوى المرئي المتكامل صوتا وصورة ولذلك أصبحت منصة للنجومية وقنوات إضافية استعانت بها مختلف المؤسسات الإعلامية لبث محتواها والحصول على مستوى مشاهدات عالٍ قادر على المنافسة وجذب المعلن.

كل هذه المنصات تفتقد للتفاعل المباشر، بمعنى أنها منصات إرسال واستقبال وليست منصات حوار ونقاش.

أتصور أن التحدي الكبير الذي يواجه الفضاء الاتصالي اليوم يتمثل في منصة (club house) التي باتت تسترعي مزيدا من الاهتمام والمشاركة مؤخرا.

في الواقع لا توجد منصات جيدة ومنصات سيئة، إنما يوجد استخدام إيجابي واستخدام سلبي، وهذا ينسحب على مختلف المنصات والوسائل. لكن الجديد في منصة (كلوب هاوس) أنها المنصة الوحيدة الحوارية، وهذا نمط جديد في منصات التواصل الاجتماعي، التي مهما تنوعت فيها أشكال التفاعل إلا أنها لم يحدث أن كانت حوارية مباشرة. في كلوب هاوس نقاشات وحوارات ومتحدثون ومعلقون وخلاف وتنوع في الآراء والأفكار والمواقف والتوجهات.

الواقع المعتاد في الحوارات الثقافية والمعرفية والفكرية والاقتصادية العامة والنقاشات المفتوحة والمعلنة والجماهيرية المتعددة أنها حوارات مؤسساتية، أي تنظمها وتقوم بها مؤسسات أو أفراد إنما من خلال تنظيم ما. الغرض من التنظيم هو إيجاد المرجع وضمان وجود الحد الأدنى من الأداء المعرفي والعلمي ولضمان الجوانب التنظيمية والإجرائية؛ لأن الحدث عبارة عن فعالية يشترك بها أفراد متنوعون ومختلفون وهو ما يقتضي وجود جهة ضامنة ومنظمة.

من السهل القول إن هذا ينطبق على كل تطبيقات التواصل الاجتماعي الجديدة، تويتر وسناب شاب وفيس بوك وتيك توك كلها ليست عملا مؤسساتيا والأفراد فيها ينطلقون من دوافعهم دون مرجع أو تنظيم استباقي لما ينشرونه.

هذا صحيح تماما لكن الفرق أن الأداء في كل تلك التطبيقات أداء فردي وليس جماعيا، وبالتالي تختفي احتمالات المواجهة والصدام المباشرة. ويتم ضبط الأداء العام من خلال رصد أي منشور أو محتوى من شأنه أن يمثل تهديدا للسلم الاجتماعي أو يمثل تجاوزا لحقوق وحريات الآخرين.

يبدو أننا أمام تحدٍّ جديد يفرضه التعامل مع هذه المنصة؛ فعلى المستوى الاجتماعي سيجد التطبيق مواجهة متنوعة كلما ظهرت مجموعات ونقاشات تذكي القضايا الطائفية أو العنصرية، أو تشجع على المواجهة القيمية مع المجتمع.

ثمة محاولات لاستغلال التطبيق لإيجاد حوارات تستهدف استفزاز المجتمع في أمنه وقيمه ووحدته وفي الغالب ستتم مواجهة تلك التوجهات كما تتم مواجهتها على مختلف المنصات.

الحوار يختلف كثيرا عن التعبير، في بقية وسائل التواصل الاجتماعي يحضر التعبير بالدرجة الأولى بينما في كلوب هاوس يحضر الحوار أولا، وهو ما يمثل التحدي الحقيقي ولحظة المواجهة الفعلية.

خلال الأيام الماضية كثفت من حضوري ومتابعتي لمختلف الغرف والنقاشات في كلوب هاوس، وبكل واقعية يمكن القول إن ثمة أزمة قادمة سيمثلها هذا التطبيق، خاصة في القضايا والحوارات الفكرية والسياسية والإنسانية والاجتماعية والدينية.

ثمة تصاعد للغة الطائفية والعنصرية في مختلف الحوارات ذات العلاقة، إذ إن كثيرا من المتحاورين لا يحملون الوعي ولا المعرفة التي تجعل منهم المحاورين الأمثل في مثل هذه القضايا الفكرية والثقافية، وبالتالي يحدث الانكشاف وتحدث المواجهة التي ستؤدي إن استمرت إلى إيجاد منصة ساخنة سلبية مهددة للسلم الاجتماعي.

مثلما تابعت وتتابع النيابة العامة كل التجاوزات التي قد تشهدها منصات التواصل الاجتماعي، فهي أيضا ستواصل وتتابع ما يحدث على هذه المنصة وغيرها، وسيظل الفرق القائم أن تلك التجاوزات فردية ويمكن رصدها بينما في كلوب هاوس الوضع ليس كذلك.

من الضروري ووسط هذا الجدل المتنامي اجتماعيا عن التطبيق أن نشهد حضورا الآن لهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات لبناء آليات وخطط تعامل وإدارة لتكون تلك جزءا من الحدث ومن النقاش الاجتماعي المستمر بشأنه.

لقد قدمنا تجربة إيجابية في التعامل والتفاعل مع مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحنا الأبرز والأكثر حضورا، ولكن لا بد من إدراك أننا سنشهد باستمرار ظهور منصات وبرامج مختلفة ومتنوعة وغير متوقعة. وبالتالي فيجب أن تكون أدواتنا قادرة على إدارة أية منصة جديدة وفق ما يخدم واقعنا ومجتمعنا وتطلعنا بمواجهة سلبياتها وتنظيم استخدامها واستثمار إيجابياتها.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة