.
.
.
.

الضبط الاجتماعي.. أما بعد

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

الآن نرى سلوكاً مرفوضاً من جانب الكثير من الأفراد، وكأنه تمرد ملحوظ على القيم والأعراف، في حين أن الدم العربي لا يزال ساخناً متمسكاً بالقيم والأعراف. ومن هنا ينشأ الكثير من الأمراض النفسية في حالات بعض هؤلاء الأفراد..

لم تكن مجتمعاتنا العربية تضج بالعديد من الظواهر المرفوضة في حياة الأفراد، ذلك أن سطوة الضبط الاجتماعي أشد صرامة مما تمليه القوانين تحت لواء مرافعات المحامين وبعضها - إن لم يكن أغلبها - يفلت من العقاب!

وإذا ما تناولنا قضية الضبط الاجتماعي وكيفية تنظيم كل الجوانب الاجتماعية تحت رايته، فسنجد البعض يتساءل: هل ممكن استرجاع هذه الآلة المنظمة للحقوق والواجبات؟

وفي الحقيقة أننا قد نعجز عن استرجاعها واستدرار ما تضفيه من جوانب الاستقرار، وذلك لما تركه لنا ذلك الخلل في البنية الاجتماعية والذي أحدثه ترييف المدن منذ ما يقرب من نصف قرن ونيف، هذا التمازج بين السكان في المدن عمل على ذوبان الملامح الشخصية بين السكان فلا يعرف أحد الآخر في خضم هذا الزحام.

وإذا ما أشرنا إلى مصطلح الضبط الاجتماعي فهو تلك الآليات أو العمليات المجتمعية والسياسية التي تنظم سلوك الفرد والجماعة في محاولة للوصول "إلى الامتثال والمطابقة مع قواعد مجتمع معين أو حكومة أو فئة اجتماعية". ويحدد علماء الاجتماع شكلين أساسيين للضبط الاجتماعي وهما: وسائل غير رسمية للضبط - وهي تدخيل للمعايير الاجتماعية والقيم من خلال عملية تُعرف باسم التنشئة الاجتماعية، والتي تعرف بأنها العملية التي من خلالها يبدأ الفرد، المولود بإمكانات سلوكية واسعة بشكل كبير، في تطوير السلوك الفعلي الذي يقتصر على أضيق نطاق لما هو مقبول بالنسبة له وفقًا لمعايير الجماعة".

الوسائل الرسمية للضبط الاجتماعي - هي العقوبات الخارجية التي تفرضها الحكومة لمنع حدوث الفوضى أو الشذوذ في المجتمع. وهناك بعض الباحثين النظريين - مثل إميل دوركايم - يشيرون إلى هذا النوع من هذا الضبط".

لقد رد علماء النفس نجاح هذا الضبط إلى التنشئة كما تقدم، إلا أننا نرى أن هذه السلطة وقوة سطوتها ترجعان إلى قانون العيب لدى الشخصية العربية، وهو ما يؤطر هذا النوع من هذا السلوك أو ذاك ومن هنا سمي بقانون التنظيم الاجتماعي عندما كان مفهوم الضبط الاجتماعي موجودًا منذ تشكيل علم الاجتماع المنظم.

لكن ماذا حدث للسلوك الاجتماعي العربي وكيف يمكن معالجته في ضوء ما ذكرناه من عوامل ترييف المدن واتساع رقعة الهجرة من الريف إلى المدينة في حين أن الريف هو منبت هذا الضبط وسيده نتاج وسائل الترابط المجتمعي الريفي عن طريق الدم والمصاهرة والإدراك الشخصي لماهية الأفراد ومدى غضبهم أو رضائهم عن سلوكه بين قبول أو رفض، في الوقت ذاته الذي يمكن نبذه اجتماعياً من اللحمة المجتمعية، وهذا ما يسبب ألماً نفسياً للفرد نفسه، ولذلك كان هذا الملف من ضمن ملفات علم الاجتماع.

يقول أحد الباحثين في هذا الشأن: "إن تغير المعنى بمرور الوقت بينما كان في الأصل يشير ببساطة إلى قدرة المجتمع على تنظيم نفسه. ولكن في ثلاثينات القرن العشرين استُخدم المصطلح بمعناه الأكثر حداثة لهداية الفرد إلى الامتثال. وبدأت دراسة نظرية الضبط الاجتماعي كحقل منفصل في أوائل القرن العشرين".

لكننا لا نجد أي صدى لهذه المدارس حديثها وجديدها في ظل تفسخ القيم التي تربت عليها الشخصية العربية التي يحكمها قانون العيب والخوف من اللوم.

كما تم التوضيح أعلاه "يمكن أن تكون وسائل فرض الضبط الاجتماعي رسمية أو غير رسمية. يقول عالم الاجتماع (إدوارد ألسورث) روس: إن النظم العقائدية تفرض سيطرة على السلوك البشري أكبر من القوانين التي تفرضها الحكومة، بغض النظر عن أي شكل تتخذه العقائد. ومع ذلك، فإن نظم الضبط الاجتماعي الرسمية التي تؤسسها البلديات في جميع أنحاء أميركا الشمالية لها عواقب وخيمة للأفراد الذين تسعى هذه النظم إلى تقييدهم".

هذا بالنسبة للعالم الخارجي أيضاً، لكن الأمر يختلف في وطننا العربي لما لطبيعة البنية الشخصية العربية والتي قد تساعد علماء الاجتماع لاستلهام منابتها وطبيعة تكوينها في معالجة تفشي بعض السلوكيات المرفوضة اجتماعياً، وخاصة مع اتساع حقل وسائل التواصل الاجتماعي واتساع دائرة الاتصال وتماسها مع العالم أجمع، في حين أن الشخصية العربية قد لا تتوافق مع هذا أو ذاك السلوك الوافد من وراء النافذة!

أذكر وأنا طفلة أنه حينما يدب شجار بين اثنين أسمعه يهدده بقوله: ستذهب إلى فرسان! ولم أكن أعلم حينها معنى هذه الجملة، لكنني مؤخراً فهمت أن الفرد إذا كان سلوكه غير متسق مع المحيط الاجتماعي ينفى إلى جزيرة فرسان، والتي لا يملك الفرد طريقة للرجوع منها نظراً لعدم توفر وسائل المواصلات، وأيضاً رفض المحيط الاجتماعي للإقامة بينهم.

كما أن مقاطعة الفرد تجارياً ونسباً وتحادثاً كانت من أقوى تقويم الشاذ من سلوك الفرد، بالإضافة إلى ما يمقته العربي من اللوم والعيب.

والآن نرى سلوكاً مرفوضاً من جانب الكثير من الأفراد، وكأنه تمرد ملحوظ على القيم والأعراف، في حين أن الدم العربي لا يزال ساخناً متمسكاً بالقيم والأعراف. ومن هنا ينشأ الكثير من الأمراض النفسية في حالات بعض هؤلاء الأفراد بين ما سماه العصر الكلاسيكي في أوروبا إبان القرن السابع عشر بالصراع النفسي الدائم بين العاطفة والواجب، والذي غمر جل الأعمال الأدبية لدى راسين وكورني وموليير وغيرهم ممن عالج هذه القضايا بالمسرح والدراما والأدب - ولذا سميت بالكلاسيكية أي التعليمية - ما جعل الفرد آنذاك يتعلم التوازن بين العاطفة والواجب؛ لأنه مر في تلك الحقبة بما نمر به الآن من تعارض القيم مع الحريات ونظرياتها لدى بعض المنظرين حتى وصل الأمر في خضم هذا الصراع إلى إنشاء فولتير نظريته (العودة إلى الطبيعة) في العقد الاجتماعي.

وهنا نستطيع القول: إن عبء إصلاح هذه القضية يقع على عاتق الأدباء والمفكرين لحل هذا التشابك بين هذا الصراع ما يجب أن يكون وما هو كائن بالفعل.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.