.
.
.
.

التعددية الثقافية في Clubhouse: الاعتراف باختلاف الآخر

عادل الزهراني

نشر في: آخر تحديث:

جمعنا ناقدنا الجميل محمد العباس -كعادته- على مائدة النقاش الحر مؤخراً في منصة (كلبهاوس- Clubhouse) للمثاقفة هذه المرة حول مفهوم مهم وحساس، ذلك هو مفهوم التعددية الثقافية، بمشاركة مميزة من د. سعيد السريحي، و د. عبدالله الخطيب وعدد من المثقفين والمثقفات السعوديين والعرب.

وتناول النقاش الحمولات الدلالية والتاريخية التي ينوء مفهوم (التعددية الثقافية) بحملها، والقضايا المتقاطعة مع المفهوم الذي تتجاذبه العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية والسياسية، ويمثّل -باعتباره قضية- وجبةً صعبة الهضم على مائدة القوى السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا، وربما مائدة العالم أجمع في ظل مجتمعات ما بعد الحداثة اليوم.

حساسية المفهوم وتعقيده تنبعان من كونه يتقاطع مع مفاهيم وجودية واجتماع/ثقافية مركزية مثل مفهوم الذات، والآخر، والوطن (الجديد والقديم)، وحقوق الفرد مقابل حقوق الجماعة، والهوية، والوطنية، والأقلية... وغيرها. وهو يشير -بشكل عملي- إلى السياسات التي تعتمدها القوى (العظمى) في تعاملها مع الأقليات الإثنية القادمة من ثقافات مختلفة.

وقد تناول الزملاء عدة جوانب مهمة أثرت النقاش كثيراً، ولعلي ألخص مشاركتي بتلخيص النقاط التي تطرقت لبعضها متأثراً بطرح فيلسوفين مهتمين ومهمين في هذا السياق، هما البريطاني (ذو الأصول الآسيوية) علي رتنسي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة لندن، والشهير بأطروحاته حول العنصرية، والتعددية الثقافية، والفيلسوف الفرنسي المتخصص في التعددية الثقافية باتريك سافيدان، وخصوصاً كتابه المهم (الدولة والتعدد الثقافي).

يذكّرنا سافيدان في مطلع كتابه أن التنوع الاثن-الثقافي معطى إنساني تاريخي وعام، وليس خاصاً بمجتمع فقط، لأنه مرتبط بحركات الهجرة واتصال الثقافات عبر التاريخ، لكن الجديد هنا هو مسألة اعتراف الدولة بهذا التنوع وتصميم استراتيجياتها السياسية بناء على هذا الاعتراف. لكن لابد من التذكير أن خلف التعددية الثقافية عامل آخر أقل وهجاً هذه الأيام من وهج الهجرة، وذلك هو وجود مجتمعات السكان الأصليين (مثل الهنود الحمر في أمريكا وكندا)، وهي جماعات وجدت نفسها عبر الزمان عرضة للطمس والتغيير القسري الذي حتمته ثقافة المستعمر الأبيض. وجود هذا العامل يزيد من تعقيد قصية التعددية، ويجعل النظرة إليها تختلف في رأيي.

واحدة من المشاكل التي تعترض مفهوم (التعددية الثقافية) تتمثل في التناقض بين محاولة «التوفيق بين التعددية الثقافية - بتأكيدها على الهويات الجماعية - والدور الرئيسي الذي تضطلع به الحقوق الفردية في إطار الليبرالية التي تمثِّل عماد دساتير الدول القومية الغربية»، كما يعبّر علي رتنسي، لكنه -رغم ذلك- يعده تناقضاً مزيفاً، إذا انطلقنا دوماً من الموقف، الذي تمثله خير تمثيل مقولة ياسمين بهائي، حين ترى أنه «لا بد من أن تنال الثقافات المختلفة التقدير، لكن لا يصح أبداً أن تنال الأسبقية على حقوق الإنسان الأساسية».

وإذا كانت الدول الديمقراطية قد قامت على مجموعة من القيم الليبرالية التي تعطي الفرد حقوق الحرية، والمساواة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، وغيرها، فإنها وجدت نفسها في مأزق حقيقي منتصف القرن العشرين حين اجبرت على قبول أقليات متزايدة العدد ضمن نسيجها الاجتماعي. المشكلة أن هذه الأقليات تأتي من خلفيات اجتماعية مختلفة المبادئ والقيم عن تلك التي يؤمن بها المجتمع الجديد (في الدول المهاجَر إليها)، وهو ما يفضي إلى تصادمات وصراعات واضطراب في لحمة هذا النسيج.

وإذا كان تعريف (المجتمع الديمقراطي)، كما يسوقه سافيدان: بأنه «المجتمع الذي تطورت في دواخله تجربة جديدة للآخر، والتي تقوم بدورها على إعادة تمثّل عميق للفكر الإنساني الذي يتجسد عبر تجريد الاختلافات»، فإن هذا حتّمَ على الحكومات الأوروبية والأمريكية التحرّك للتعامل مع التعدد الثقافي الذي يصبغ مجتمعاتهم ويتضخم يوماً بعد يوم. تعيش في هذه الدول مجتمعات كبيرة جداً من دول آسيوية ولاتينية وإفريقية وعربية مختلفة، ويحدد سافيدان ثلاثة نماذج للتعامل مع التعددية الثقافية: ١) النموذج الارستقراطي الطبقي، الذي لم يعد صالحاً في العصر الحديث، و٢) النموذج الديمقراطي الذي اعتمد منذ منتصف القرن العشرين في بعض الدول، وكان يعمل على سياسة الإدماج، التي تسعى لاندماج هذه التعدديات في بوتقة الهوية القومية العامة اندماجاً ناعماً، عن طريق التعليم، والانخراط في الحياة وفِي القضايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تهم السكان الأصليين، ليصبح هؤلاء المهاجرون (وخصوصاً الأجيال التالية) ضمن النسيج العام. وعلى الرغم من نجاح هذا النموذج النسبي، إلا أن التحديات كانت أكبر من أن يسد الهوة التي ظلت تتسع بين مجتمعات التعدديات المختلفة وبين المجتمع الأصلي، لعدة عوامل يعود بعضها للمجتمعات ذاتها (القادمة والقديمة)، وبعضها الآخر كان نتيجة فشل السياسات والبرامج الحكومية في فهم طبيعة القضية، والتنبؤ بتحولاتها المستقبلية.

وهو ما قاد منذ مطلع العقد الثاني لقرننا هذا إلى خطاب نقدي يدعو إلى احتضان النموذج الثالث، الذي يدعوه سافيدان ٣) نموذج الاعتراف (أو أخلاق الاعتراف) التي تعني القبول الكامل باختلاف الآخر اختلافاً معقداً يصعب تأطيره ضمن نموذج واحد، أو التعامل معه بالاعتماد على سياسة واحدة. التعددية الثقافية وفقاً لهذا النموذج تشير إلى مستوى تعقيد القضية، وتقترح مستوى مختلفاً من التعامل المبني على الفهم العميق والتفهّم والتسامح والتوازن للوصول إلى صيغة معقولة ومرنة في التعامل مع التعددية الثقافية. ويطلق بعض الفلاسفة على هذا الاتجاه (ما بعد التعددية الثقافية).

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة