.
.
.
.

في يومكِ العالمي

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

تتعدد الأسئلة الكثيرة من وسائل الإعلام العربية والعالمية التي تتحدث معي وتطلب الحديث عن المرأة السعودية، وعن فرص التمكين والمشاركة، والذي يشكل لهم نوعا من الدهشة!

والحقيقة أنه أمر لافت للنظر هذا التطور والتمكين الذي تعيشه المرأة السعودية بشكل خاص، وكنت فيما سبق أتحفظ إلى حد ما عن الحديث عن الشؤون النسوية، لكثرة اقتراب هذا الشأن من بعض المستفيدين والمتربصين، وأعتقد أن مسألة الجندر غير بريئة منذ ظهورها كمدرسة عالمية تحظى برواج في المجتمعات العربية وذلك للنظرة الغربية للمرأة العربية، وعدم فهمهم لمحتوى الطقوس التقاليدية التي تختص بها مجتمعاتنا التي لا تزال مرتبطة بحبلها السُري الممتد للماضي القريب مما يتطلب نوعا من التوازن الصعب في هذا الأمر.

ولكننا لا ننكر أنه كانت هناك الكثير من القيود المجتمعية التي ترزح تحت نير الأعراف القبلية التي يتمسك بها الأبناء ذلك لأنهم غير بعيدين عن ماض ساخن لم تبرد مفاصله بعد، وذلك كان عائقا كبيرا في مسيرة المرأة السعودية والتي كانت هي نفسها تقدرها وتتمسك بها كنوع من الشرف القبلي والمصالحة مع المجتمع، ولكن كل ذلك لم يعقها عن السير قدما نحو التسلح بالعلم والمعرفة والإبداع أيضا، فكانت في سباق محموم مع الزمن وكأنها تستشعر أن الفرص ممكنة لا ريب.

واليوم يشعر العالم بالدهشة الكبيرة لما نالته المرأة السعودية، وهذه الدهشة هي نتاج صورة المرأة المشرقة سواء في التعليم أو الإبداع والابتكار والفنون والعلوم، وكأن العالم يفاجأ بمارد حقيقي خرج من غار معتم.

والحقيقة أن سر هذه الدهشة العربية والعالمية لهذا التحّقُق النسوي بالمملكة اليوم وبشكل يتماشى مع المرأة العالمية على كل المستويات الأدائية والمعرفية يرجع إلى أن هذا التطور كان يمضي في صمت ودأب، كما أن السعودية لا تكثر من التسويق لنفسها إيمانا منها بأن الواقع الجيد سيفرض نفسه، فمهما تعدد بريق العملات إلا أنه لا يثبت منها سوى العملة الجيدة وبكل تأكيد.

ولتفسير لهذه الدهشة العربية والعالمية نستطيع القول إن تمكين المرأة في المملكة آخذ في التنامي منذ أوائل القرن الواحد والعشرين، حيث بدأ بفتح الباب لبناتنا بالانتساب إلى الخارجية حينها، وكانت خطوة مبهرة ومدهشة ومصدر فخر لنا، وكنت أتحدث عنها في وسائل الإعلام، وكنت استشعر نافذة النور القادم؛ لأني كمواطنة سعودية وباحثة في الشؤون المجتمعية أستقرئ ما ستنير به الطرقات حينها، وذلك لما كان يقوم به ولاة أمورنا من سعي حثيث نحو هذا التطوير، ولذلك فلم يكن التمكين بالأمر فجائيا، بل بدأ بشكل قوي منذ مطلع القرن العشرين، وخاصة في حياة الملك عبدالله - رحمه الله - حين طلب الاجتماع بممثلات عن المرأة والاستماع إليهن وإكسابهن كل القوة والثقة، على نحو أبوي حنون يعلم بقدراتهن.

أذكر حينها أن صاحب السمو الملكي سلطان بن عبدالعزيز - ولي العهد حينها رحمه الله - جاء إلى القاهرة، وطلب عن طريق الملحق الثقافي مقابلة المثقفات السعوديات بالقاهرة عام 2005 تقريبا وجلسنا معه - في حضور عدد كبير من الأمراء ومع معالي السفير - سألنا في كل شيء وعن كل شيء يتعلق بالمرأة، وكان لي الشرف أن كنت واحدة منهن، وحين طلب حاجتي أجبته: (مسرح) بالمعنى العلمي لفنون المسرح العالمي، ووعدني بذلك وكان أبا حنونا معنا".

ولذلك فقد تم التمهيد لقرارات جريئة وحكيمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده - حفظهما الله - بتمكين المرأة السعودية وعلى جميع المستويات والعمل مع الرجل بشكل متوازٍ في ظل العادات والتقاليد وتعاليم الدين الحنيف، وبشكل يحفظ للمرأة حقوقها بما لها وما عليها في حين أضحت هي - في الوقت ذاته - جاهزة ومتسلحة بالعلم والمعرفة سواء عن طريق البعثات أو الدراسات الأكاديمية العليا، كما أن قضية الاختلاط كانت العقبة الكبرى في هذا الصدد، وبمجرد انتهاء موضوع الاختلاط هذا، وجدنا عملاقا اسمه المرأة يرفل في ساحة الإبداع والتنوير.

ولذا فمسألة التمكين لم تأت بشكل مفاجئ، بل تم التمهيد لها، حتى اكتملت على يد سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، فاكتملت الصورة، وشرعت أمام المرأة أبواب المشاركة والتمكين في كل المجالات وبلا استثناء.

فبذلك بعد أن كان وجود مسرح سعودي حلما يراودني، على يد صاحب السمو الأمير سلطان - رحمه الله -، فالآن أصبح وجودا ليس على المستوى المحلي فحسب، وإنما طامحا للمستوى العالمي حينما أجد تكليفا من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتعييني من قبل مجلس الوزراء لأكون عضوًا في مجلس إدارة هيئة المسرح والفنون الأدائية، وهذا هو شاهد التمكين للمرأة الذي نناقشه الآن.

إن ما يحدث الآن للمرأة السعودية في بلادي هو نتاج إدارة محكمة، تُخطط بهدوء وإرادة واقتناع، وبلا إملاء من أحد كائنا من كان، بل إيمانًا بقدرات المرأة التي تسلحت بأعلى درجات العلم، وهو ما حدث بشكل تراكمي على مدار العشرين عامًا الماضية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة