.
.
.
.

"تحسين الذات" قد يكون مدمّراً

عبد الرحمن السلطان

نشر في: آخر تحديث:

مع تصاعد التنافسية، وارتفاع مستوى التوقعات لأسلوب حياتنا، وتعرضنا لقسط متتالٍ من الخيبات والمطبات نميل دوماً لمزيد من الانغماس في دوائر "تحسين الذات"، كما لو كانت حلاً سحرياً لكل ما يواجهنا من مشكلات وعقبات!

تواجه تحديات وظيفية ما، تغرق في خلافات عائلية، تُصدم بأزمة منتصف العمر، لا يجد البعض أمامه سوى الهروب من مواجهة أو تقبل واقعه إلا بـ"تحسين الذات"، الذي يرى مروجوه أن هذا التحسين في المهارات والأداء والإنجاز سوف يجعلك تتجاوز هذه العقبات، ويبقيك بعيداً عن الانشغال بخيبات الحياة ومصاعبها! كونك سوف تطور جوانب من ذاتك حتى تمسي شخصاً محبوباً ومطلوباً، لأنك بذالك تضحي شخصية جذابة لا تتوقف عن التقدم والنجاح كما يفعل مهووسو "تحسين الذات"!

ورغم أن "تحسين الذات" مطلب أساسي للنمو والتقدم إلى الأمام، إلا أنه في حالات الانكسار والتوقف يصبح كما العربة التي تأخذك إلى عالم خيالي منقطعٍ عن الواقع، ويتحول إلى مسكّن للألم يخفي تحته جرحاً غائراً لا يندثر، والاستمرار بالتأكيد لا يشفي بل يزيده عمقاً إلى أثرٍ نفسي قد يكون مدمراً! فمحاولة الهروب من الواقع لا يعني اختفاء ذلك الواقع!

والأسوأ من ذلك أيضاً هو الانخراط في اقتناء أو قراءة كتب تحسين الذات، من دون تطبيق ولو جزءٍ يسير منها! كما لو كانت هواية تستمتع بجمعها من دون أن تستفيد منها، فما فائدة قراءة وفهم كتاب "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس؟" من دون الحصول على أصدقاء أو التأثير بمن حولك! وهكذا دواليك.

بالتأكيد "تحسين الذات" يحسّن جودة الحياة، ويفتح لك خيارات أوسع، ويشجعك نحو الأمام، ويزيد من ثقتك بنفسك ومهاراتك، بالتالي يساعدك على تحقق الآمال المهنية والاجتماعية، لكنه بالتأكيد لن يضمن حياة نفسية مستقرّة، ما لم توجه تلك المخاوف والعقبات، وتعيش الحياة الحقيقية، وتتقبلها بشكل إيجابي.

نواجه يومياً طوفاناً من وسائط "تحسين الذات" عبر الفضاء الإلكتروني، وزاد الطين بلّة اتصالنا الدائم بمنصات التواصل الاجتماعي، حيث يرفع الكثيرون لواء ترويج مقاطع تحسين الذات من دون تحميص أو فهم، غالبها يعتمد على آراء شخصية حادة أو على دراسات مفبركة أو مجهولة المصدر، أثبت بطلان كثيرٍ منها عالم النفس البريطاني "ريتشارد وايزمان" في كتابه الرائع: "59 ثانية"، إذ كان مضطراً لمراجعة مزاعم تلك الدراسات "العلمية" قبل تضمينها كتابه لتحسين الذات! ناهيك عن أن أساليب التحسين القادمة من ثقافات مختلفة، قد تكون حققت نجاحاً باهراً هناك، لكنها ليست بالضرورة تحقيقها في ثقافة مختلفة.

عزيزي.. لا تتوقف عن تحسين ذاتك، خصوصاً الاطلاع على قصص وأساليب التطوير عبر الكتب أو الوسائط الأخرى، لكن لا تجعلها مجرد تنظير أو هروب من الواقع، فأنت من يعيش الحياة كل يوم لا تلك الكتب أو الفيديوهات!

* نقلا عن " الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة