.
.
.
.

الثورة الخضراء لحياة أفضل

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

كل شجرة تُزرع في هذا الكوكب تصنع الفرق. إلقاء حجر صغير في بحيرة يصنع دوائر غير محدودة إلا بحدود البحيرة، شجرة واحدة تؤوي الطيور وتظلل وتحمي الحيوانات من هجير الصحراء، تمتص الغازات السامة وتطلق الأكسجين في الجو، تسهم في معالجة الاحتباس الحراري وفي تلطيف حرارة الجو وامتصاص ملوثاته. كل ذلك من شجرة واحدة، فكيف إذا كانت مبادرة ولي العهد تقضي بزراعة مليارات من الأشجار داخل المملكة وخارجها.
المملكة ومنذ أن أطلقت رؤيتها 2030 والاهتمام بالبيئة حاضر ضمن أهدافها وبرامجها. أصبح للبيئة وزارة متخصصة، وأنشأت خمس مراكز هي؛ المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، والمركز الوطني للأرصاد، والمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والمركز الوطني لإدارة النفايات. نتج عن ذلك زراعة أكثر من ثلاثة ملايين وخمس وستين شجرة داخل المدن وخارجها من الأشجار المحلية كالطلح والسمر والسلم والغاف والمانجروف. وتدشين مشتلين لزراعة المانجروف على ساحل البحر الأحمر، وتأهيل المدرجات الجنوبية الجبلية في الجنوب لتكون صالحة للزراعة المستدامة، ومكافحة التصحر على مستوى المملكة.
أيضاً كانت البيئة وسلامتها ومكافحة الاحتباس الحراري حاضرة بقوة في العام الماضي حين كانت المملكة ترأس قمة الدول العشرين الغنية، وشكلت لذلك اللجان المختصة، وإصدار بيان خاص حول البيئة، وتبني مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، كما رفعت التوصيات لزعماء الدول في لقائهم الافتراضي. حيث نجحت المملكة في جعلها من أهم مستهدفات التنمية على مستوى العالم.
حين تكون المبادرات بهذه الضخامة والأهمية ومن أعلى سلطة في الدولة، فإنها ترسم ملامح ما بعد الرؤية لتمتد حتى العام 2050 وما بعده، كما أنها تبين ملامح الحاضر ومدى اهتمام القيادة بجودة الحياة لجميع سكان المملكة والعالم أجمع، فالمملكة تعي دورها كمنتج عالمي للنفط ومسؤوليتها تجاه مكافحة أزمة المناخ، وضرورة قيادة العقود الخضراء القادمة.
لقد كان الخيار في السابق بين الدول إما المحافظة على البيئة أو الاستمرار في استهلاك الطاقة دون التفكير في أضرارها، وهو ما دفع الولايات المتحدة وبعض الدول إلى عدم الالتزام بما توصلت إليه اتفاقيات الأمم المتحدة للحفاظ على البيئة وانسحابها منها أكثر من مرة. أما اليوم فالمملكة تقول للعالم نستطيع أن نحقق التنمية مع الحفاظ على البيئة بزراعة المزيد من الأشجار داخل المملكة وخارجها، وباستخدام الطاقة النظيفة وتدوير المخلفات.
البعض يرى أنه من الصعوبة الوصول إلى هذا العدد الكبير من الأشجار، لكن لنتذكر أنه إذا توفرت الرغبة والإرادة تذللت الصعاب وتحققت الأهداف الكبيرة، وعلى سبيل المثال فقد استطاعت الهند أن تزرع أكثر من ست وستين مليون شجرة خلال 12 ساعة فقط، قام بها متطوعون من ولاية مادهيا براديش. ومعلوم أن المدن الهندية من أكثر مدن العالم تلوثاً بسبب الكثافة السكانية.
أنا على يقين أن هاتين المبادرتين ستغيران الكثير من المفاهيم والإجراءات في صالح البيئة ومن ذلك ما ياتي:
أولاً: سيصبح لزراعة الشجرة أولوية في المملكة ودول العالم العربي التي تنضم لهذه المبادرة. وهذا يعني توحيد الجهود بين البلديات ووزراة البيئة والوزارات الأخرى التي لديها المباني والأراضي والمياه لتكون الشجرة حاضرة في كل مشروع، كما أن المواطنين مطالبون بزراعة الأشجار المناسبة حول بيوتهم وداخلها والمساهمة في زراعة الشجرة كمتطوعين وداعمين من أجل حياة صحية أفضل.
ثانياً: الحماية من أهم وسائل إكثار الغطاء النباتي للأشجار الكبيرة والصغيرة، خصوصاً حماية الأودية والفياض، والمملكة غنية بالأودية الكبيرة مثل وادي الرمة الذي يمتد لأكثر من خمس مئة كيلومتر. وحمايتها من الرعي بأنواعه كما ورد في المبادرة سيحيلها إلى غابات من أشجار البيئة وشجيراتها.
ثالثاً: التعليم هو الأساس لتخريج مواطن ومسؤول يعي أهمية الشجرة وفائدتها له ولأسرته ولمستقبل المنطقة والعالم، علينا أن ننتقل في تعليمنا من التلقين إلى الممارسة والمشاركة التي ترسخ قيمة الشجرة وحماية البيئة والاقتصاد في المياه والطاقة.
ذكر الأستاذ أحمد أمين في سيرته الذاتية "حياتي" أنه يظن أن سبب تقدم أوروبا هو المطر والمرأة لما رآه من أنهار وغابات وحدائق، وما تتمتع به المرأة من حرية ومشاركة، لكنني أظن أن أهم أسباب تقدم الأمم يكمن في شيئين أساسيين القيادة والتعليم، ومن يتتبع المنجزات العظيمة على مستوى العالم يجد أن وراء تقدم الأمم قيادة لديها رؤية وأهداف، وتعليم متميز يخرج الكوادر المطلوبة لتنفيذ رغبات القيادة وبرامجها.

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.