.
.
.
.

العلا: مواجهة جمالية ورحلة عبر الزمن تسبر أعماق المكان

عبدالله الحسني

نشر في: آخر تحديث:

لم تكن التماعة عيني صديقي طارئة أو عشوائية؛ فقد كان مبعثها حالة اندهاش وانشداه فارقين؛ ولم يكونا مبالغين حين أسرّا لي بأن الجلوس أمام تلك الجبال كفيل بامتصاص تلك الطاقة السلبية التي تسكننا دون أن نشعر، تجربة فكرية وثقافية وحسية بديعة كانت تلك، وقد بدا لي من أولى الدقائق التي عشتها في مواجهة جمالية مع الجبال أنهما لم يبالغا؛ بل إنهما أخفيا كثيراً من دهشتهما أو لم يريدا إظهارها؛ ذلك أن التشكيلات الصخرية بتنويعاتها المذهلة التي تؤكد رسوخ الجيولوجيا أمام عاتيات الزمان ومقاومة تعريته؛ كفيلة بأن تمتص كل طاقاتك السلبية – كما يشير صديقاي - وأضيف: بل إنها أيضاً تجعل تدفّق سائل الأدرينالين في جسدك مستثيراً كلّ حواسّك الجمالية والاستكشافية والطابع المغامراتي المدهش.

كل هذه التشكيلات الصخرية لها حكاية؛ فهي سجل لماضٍ سحيق عابر للأزمنة، فهذه المنطقة بثرائها الجيولوجي وما يكتنفه من أسرار يحمل بين طياته أسرار حضارات تعاقبت وتركت شواهدها الإنسانية والثقافية من نقوش وكتابات بلغات عديدة منها النبطية والآرامية واليونانية واللاتينية.

محافظة العلا؛ هذا المكان الساحر بطبيعته وتاريخه وحضاراته؛ تقع في شمال غربي المملكة العربية السعودية، على الخاصرة الشمالية لجبال الحجاز؛ تنتظمها سلسلة جبال تملك تاريخاً جيولوجياً مغرقاً في القدم يتجاوز مئات السنين.

الطبيعة الجيولوجية ليست ساحرة ومذهلة في الليل فقط؛ ففي النهار عديدة هي المشاهد التي ستذهلك؛ فعلى مرمى بصرك ستأخذك تلك التشكيلات الصخرية الفاتنة إلى عالم من السحر والخيال وتحرّض فيك غريزة التأمّل؛ فاللوحة الطبيعية التي تأخذ بلبّك وعقلك تتعانق فيها الألوان وتتمازج؛ الأزرق بسحره وشساعته نحو السماء الصافية ليتعانق مع الأحمر الشفيف وهو يدثّر الصخور بلونه القاني؛ فيما صُفرة الرمال تجعل ناظريك يمتدّان نحو أفق صحراوي بديع يبدأ ولا ينتهي؛ وكل هؤلاء تحتضنهم "الأرض" أُمّ الطبيعة الرؤوم وهي متدثّرة بصمتها تنساب فوق رمالها الشمس الساطعة ويموج طقسها بحركة الرياح البهيجة ولذاذات وقعها على صدر الرمال.

كل هذه المشاهد لن تغنيك أو تجزئك عن التمتع بخلابة منظر المناطيد التي تحلّق في سماء العلا فجراً حيث ينساب المنطاد بِخِفّة فوق "الحجر"؛ هذا الموقع الذي تم إدراجه على قائمة التراث العالمي. ومن فوق تلك الارتفاعات سيكون في مكنتك مشاهدة ومعانقة التاريخ حيث المدافن المخبّأة في أعلى التلال الرملية تحكي قصة أسلاف غابرين مرّوا من هنا وتركوا شواهدهم تروي سيرتهم.

أما "صخرة الفيل" فقصة أخرى؛ فمشاهدة شروق الشمس هناك ومتابعة أشعة أظلال وهي تتخايل عجباً على صدر هذه الصخرة يأخذ بالألباب؛ سيما وأنك تتأمل في لوحة طبيعية متجسّدة، حيث تأخذ الصخور والجبال أشكال حيوانات ضخمة كالفيل؛ أو تأخذ وجوهاً بشرية تجعلك تشعل مخيالك وتجوب الزمن في رحلة مليئة بالأسطرة والمغامرات.

أنت في هذا العهد؛ عهد "المملكة الجديدة" على أهبة حلم؛ لكن حلم يكتسب صفة الوقوع والتحقق. إنه عهد اكتشاف ومصالحة مع كل شيء؛ مع الطبيعة والتاريخ والروح الخلاقة المبدعة.

أن يتم استحداث هيئة ملكية لهذه المحافظة يرأس مجلس إدارتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ فهو تأكيد على إيلاء الحضارة والتاريخ والثقافة والإنسان واستثمار عبقرية المكان؛ ولعل فيما تم الإفصاح عنه من مشروعات مذهلة وخطط تتجاوز دينامية الزمن لهو أمر يثبت رسوخ الرؤية وعظمتها ورهانها على المستقبل والإنسان.

وقد شهد العالم الأسبوع المنصرم إطلاق سمو ولي العهد لهذه الرؤية التصميمية لمخطط "رحلة عبر الزمن"، بهدف إحياء وتأهيل المنطقة الأثرية الرئيسة في العُلا بشكل مسؤول ومستدام، في بيئة ثقافية وطبيعية فريدة من نوعها شمال غرب المملكة، حيث لا شك أنه مشروع المستقبل الأهم، حيث يُعد المشروع محطة رئيسة ضمن برنامج تطوير العُلا وتحويلها إلى وجهة عالمية رائدة للفنون والتراث والثقافة والطبيعة، تحقيقًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030.

ومن المهم التذكير بأن مخطط "رحلة عبر الزمن"، الذي يحظى بقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس إدارة الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، ومتابعة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، ويُقدم مخطط "رحلة عبر الزمن" خارطة تاريخية مميزة لحضارات استوطنت واحات العُلا المتنوعة على مدار أكثر من 7000 عام من التاريخ البشري، من خلال استثمار الغنى التراثي والثقافي والثراء الطبيعي والجيولوجي للمنطقة، عبر مشاركة مجتمعها المميز في مسيرة التطوير لحفظ إرث العلا، ورسم المستقبل عبر فتح فصول جديدة لاكتشاف تاريخها الذي لم يكتشف، وبناء إرث مستقبلي يُفاخر به.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.