.
.
.
.

وقفات عند النسب والفرقة بين الزوجين في مشروع مدونة الأحوال الشخصية

سهيلة زين العابدين حمَّاد

نشر في: آخر تحديث:

أواصل بيان ما استوقفني في بعض مواد المدونة أو فقراتها، والذي استوقفني:

أولًا: اعتماد الحمض النووي في إثبات النسب، وهذه خطوة جيدة تتماشى مع التطور العلمي الذي شهدته البشرية في عصرنا الحاضر، ولكن الذي استوقفني في المادة (75) أنّه ذكر حكم رفض المرأة إجراء فحص الحمض النووي، وهو الاستمرار في دعوى اللعان، بينما لم يذكر الحكم في حال رفع دعوى اللعان لنفي نسب الولد ورفض الزوج إجراء الفحص النووي مثل حال «فاطمة « التي عُرّفت بـ» طفلة اللعان» فقد رفض والدها إجراء الفحص النووي، ورفضه يُثبتُ نسب فاطمة إليه، فهو بمثابة اليمين النكول (الامتناع عن اليمين في مجلس القضاء).

ثانيًا: في الطلاق الرجعي استوقفني عدم اشتراط موافقة الزوجة على المراجعة امتثالًا لقوله تعالى:(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فلا يحق للزوج أن ينفرد بقرار الإرجاع دون علم الزوجة ورضاها، ففعل الطلاق الرجعي قام به الزوج، ولكن فعل الرجوع يتم بين الزوجيْن بموافقة الطرفين ورضاهما؛ لذا جاءت صياغة الآية بالمثنى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا)، وبناءً عليه أقترح أن تكون صياغة المادة(93):»1. يجب على الزوج في الطلاق الرجعي توثيق المراجعة بإثبات موافقة الزوجة على المراجعة....»

ثالثًا: استوقفني في الخلع عدم ورود مادة تُبيّن أنّ الخلع لا يكون إلّا في حالة عدم قدرة الزوجة إعطاء زوجها حقوقه الشرعية لكراهيتها له دون عيب في دينه أو خلقه، ولا يحق للقاضي إجبار الزوجة المتقدمة للطلاق لضرر واقع عليها من زوجها على المخالعة للتنازل عن حقوقها المالية، وإعطاء الزوج عوضاً مالياً مقابل موافقته على المُخالعة.

رابعًا: استوقفتني المادة (120) التي توجب العدة بالوفاة في عقد الزواج الصحيح ولو قبل الدخول، والمادة (122) التي تحدد عدة المتوفي عنها زوجها قبل الدخول بها أربعة أشهر وعشرة أيام مع أنّه لا توجد آية قرآنية توجب العدة على المتوفي عنها زوجها قبل الدخول، بل توجد آية تعفي المطلقة قبل الدخول من العدة ، ولم يٌقس عليها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب:49]

مع أنّ القياس في علم أصول الفقه هو الدليل الرابع من أدلة الفقه عند مذهب أهل السنّة، بعد الكتاب والسنة والإجماع، ويعد دليلًا شرعيًا عند عدم وجود دليل شرعي للحكم من نص من الكتاب والسنة والإجماع، وما دام الهدف من مشروعية العدة كما قرّر الفقهاء هو براءة الرحم، وعدم الدخول دليل كافٍ على براءته بدليل إقرار الله جل شأنه في الآية (49) من سورة الأحزاب ببراءة رحم المطلقة قبل الدخول، ورحم المتوفي عنها زوجها قبل الدخول كذلك.

وكما يبدو أنّ لجنة وضع المُدوّنة استندت على حكم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما سُئِلَ عن رجُلٍ تزوَّج امرأةً ولم يَفرِضْ لها صَداقًا ولم يَدخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: لها مِثلُ صَداقِ نِسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ ، وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ ، فقام مَعقِلُ بنُ سِنانٍ الأشجَعِيُّ فقال: قَضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَروَعَ بنتِ واشِقٍ امرأَةٍ مِنَّا مِثلَ ما قضَيتَ ، ففرِح بها ابنُ مسعودٍ.

الراوي : معقل بن سنان المحدث: محمد بن عبد الهادي، وخلاصة حكم المحدث صححه غير واحد من الأئمة، وتوقف الشافعي في صحته؛ لذا أرجو من واضعي المدوّنة مراجعة هذه المادة.

خامسًا: كما استوقفتني المادة (125) التي تنص على: «إذا توفي الزوج وكانت المرأة في العدة من طلاق رجعي، تنتقل إلى عدة الوفاة، ولا يُحسب ما مضى. «فعلى أي أساس بُني هذا الحكم؟ فقد تكون المطلقة طلاقًا رجعيًا قد اعتدت 88 يومًا ومات طليقها في اليوم الـ89 ، تعتد أيضًا أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي عدة المتوفي عنها زوجها، وبذلك تكون اعتدت على زوجها أكثر من سبعة أشهر أي تجاوزت عدة المتوفي عنها زوجها، وهذا مخالف لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا )[البقرة: 234]، فلماذا لا تحسب أيّام عدتها عن الطلاق الرجعي، وتكملها إلى أن تبلغ أربعة أشهر وعشرة أيام، فالآيات الكريمة حدّدت عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، فلنلتزم بكلام الخالق، ونترك اجتهادات المخلوق، ولا اجتهاد مع النص.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.