.
.
.
.

إشكالات هدر الطعام

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تحول قوى السوق وقلة موارد الفقراء المدقعين دون حصولهم على احتياجاتهم الأساسية من الطعام. كما تعاني مناطق متعددة حول العالم عجزا غذائيا بسبب الأزمات الداخلية والحروب وحالات عدم الاستقرار والكوارث الطبيعية. وعمقت الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها جائحة كورونا الفقر والفقر المدقع وأوضاع البؤس التي يعانيها المنكوبون حول العالم. وعلى الرغم من مآسي الجوع ونقص الطعام، فإن العالم يهدر كميات هائلة من الطعام والشراب والمنتجات الغذائية. وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى معاناة أكثر من 800 مليون إنسان حول العالم الجوع ونقص الطعام. في الجانب المقابل، يفقد العالم ما يقدر بثلث إنتاج الأغذية بسبب هدر الطعام خلال مراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق والاستهلاك. وتتصدر الصين قائمة الهدر العالمية، تليها الولايات المتحدة.
عند التطرق إلى هدر الطعام يتبادر إلى معظم الأذهان كميات الأغذية التي تلقى في مكبات النفايات من قبل المستهلكين في المنازل والمطاعم وأماكن التجمعات. صحيح أن ملايين كثيرة من أطنان الطعام حول العالم تهدر بهذه الطريقة، لكن الهدر الأكبر يأتي في مراحل الإنتاج والتصنيع والنقل والتسويق. ويخسر العالم ملايين الأطنان من الطعام في الحقول الزراعية لأسباب متعددة، كالإهمال ونقص العمالة والآفات وانخفاض أسعار المنتجات أو سوء الإدارة والتسويق. كما تخسر ملايين أخرى في مراحل النقل لقلة أو رداءة وسائل النقل أو تأخرها أو تخلف البنية الأساسية. وتتلف ملايين الأطنان بسبب انخفاض كفاءة التخزين والتبريد في دول ومناطق العالم. يفقد العالم أيضا ملايين الأطنان من الطعام في المتاجر والمنازل نتيجة للتأخر في بيعها أو استهلاكها أو انتهاء مدد صلاحياتها. إضافة إلى ذلك، يهدر العالم كميات هائلة في مراحل التصنيع والتعبئة، كما تذهب هباء ملايين الأطنان لرفض المسوقين عرضها لشكلها أو لونها أو عدم تقبل بعض المستهلكين لها. ولا تقتصر خسائر الطعام على منتجات الأراضي الزراعية، حيث يعاد إلى البحر ما يزيد على 70 مليون طن سنويا من الأسماك والحيوانات البحرية النافقة خلال عمليات الصيد.
يكلف هدر الطعام خسائر اقتصادية باهظة يتحملها المنتجون والمسوقون والمستهلكون، وبالتالي الاقتصادات الوطنية. ويواجه كثير من المزارعين خسائر متكررة ومصاعب مالية جمة بسبب هدر المحاصيل. كما يتحمل مصنعو ومسوقو ووسطاء تجارة الطعام تكاليف ضخمة في هدر الطعام ويحملونها بدورهم على المستهلكين. ولا تقتصر الخسائر على النواحي الاقتصادية، حيث يولد الهدر إشكالات أخلاقية وإنسانية. ويبرز الهدر عجز البشرية وعدم مبالاتها في استغلال الموارد المفقودة لسد رمق الجوعى والفقراء حول العالم. إضافة إلى ذلك، فإن هدر الطعام يمثل استغلالا سيئا للموارد الطبيعية، حيث يذهب معظم استهلاك المياه، وجزء لا يستهان به من استهلاك الطاقة العالمي لإنتاج الغذاء، كما تشغل الأراضي الزراعية مساحات شاسعة من الكرة الأرضية، وتزاحم في كثير من الأحيان مناطق الغابات والحياة البرية، ولو تمكن العالم من خفض الهدر لوفر كثيرا من الموارد. أما هدر الطعام من قبل المستهلكين، فيضيف كميات ضخمة من المخلفات في مكبات القمامة. وتشكل مخلفات الطعام جزءا لا يستهان به من المخلفات البلدية التي ينتج عنها بالتحلل غاز الميثان، وهو من الغازات الدفيئة، وأقوى كثيرا من ثاني أكسيد الكربون في عكس حرارة الأرض.
أسوة ببقية العالم، يهدر كثير من الطعام في المملكة، وتتوافر تقديرات لحجم هدر الطعام من قبل الأسر، ولكن لا تتوافر تقديرات لكميات الطعام المهدر في عمليات الإنتاج والتصنيع والتسويق داخل المملكة. وتقدر إحدى الدراسات أن معدل هدر الفرد من الطعام في المملكة يصل إلى 105 كيلو جرامات سنويا، أو ما يزيد على ثلاثة ملايين طن سنويا على مستوى المملكة. عموما، يهدر سكان منطقة الخليج والشرق الأوسط معدلات مرتفعة من الطعام تفوق في بعض الدول معدلات هدر الطعام في أوروبا وشمال أمريكا. وترجع زيادة الهدر إلى المبالغة في تقديرات استهلاك الأسر للطعام، كما تلعب بعض العادات الاجتماعية دورا في زيادة هدر الطعام. ومن الظواهر غير المرحب بها ارتفاع كميات هدر الطعام في رمضان بسبب المبالغة الكبيرة في شراء وتقديرات استهلاك الطعام، وتحول الشهر إلى موسم للطبخ وإعداد وتناول ما لذ وطاب.
لا أريد أن أتحول إلى واعظ هنا، ولكن هدر الطعام إسراف منهي عنه وتضييع للموارد وذو تكلفة اقتصادية واضحة لا تخفى على أحد. ولعل من أبرز تكاليف إهدار الطعام خسارة جزء من عرض الأطعمة في مراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق، ثم رفع الطلب في مراحل الاستهلاك؛ ما تنتج عنه زيادة أسعار الطعام، وإهدار كثير من موارد المياه والطاقة، والإساءة إلى البيئة في الوقت نفسه. ويمكن للمستهلكين خفض الهدر بدرجة كبيرة من خلال ضبط تقديرات استهلاك الطعام سواء في المنازل أو خارج المنازل كالمطاعم، وكذلك إعادة النظر في مظاهر مباهاة إعداد الطعام خلال المناسبات الاجتماعية. من جهة أخرى، سيقلص الإسراع في توزيع فائض الأطعمة من سلبيات إهدار الطعام ويساعد المحتاجين. وتفرض بعض الدول غرامات على إهدار الطعام، خصوصا في الأماكن العامة كالمطاعم.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة