.
.
.
.

انطلاق المرحلة الثانية من رؤية المملكة 2030

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

انطلقت مع مطلع العام الجاري المرحلة الثانية من المسيرة التنموية الاستراتيجية رؤية المملكة 2030، والمخطط استمرار العمل بها حتى نهاية 2025 - بمشيئة الله تعالى -، وحسبما أعلن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية سيتركز العمل المتكامل بين الأجهزة كافة على الدفع بعجلة الإنجاز بوتيرة أكبر وأسرع، والمحافظة في الوقت ذاته على وتيرة الجهود الهادفة إلى تحقيق مزيد من الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد الوطني، بما يتضمنه القيام بتحديثات تطويرية على كل البرامج التنفيذية لتحقيق رؤية المملكة 2030، لضمان اتساقها مع المستهدفات المحددة، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وسرعة الاستجابة لأي مستجدات اقتصادية.
ووفقا لبيان مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، سيتم العمل لأجل ما تقدم أعلاه من خلال ثلاثة محاور أساسية، المحور الأول: إعادة هيكلة بعض البرامج التنفيذية الراهنة، وإنشاء برامج تنفيذية أخرى جديدة، تستهدف مواكبة متطلبات المرحلة التالية حتى نهاية 2025، ومن الأمثلة على تلك البرامج التنفيذية الجديدة، تأسيس برنامج "تحول القطاع الصحي"، الذي يستهدف إعادة هيكلة القطاع الصحي في المملكة، وصولا به إلى أن يتحول إلى نظام صحي شامل لتحقيق التطلعات والأهداف التي نصت عليها رؤية المملكة 2030.
أما المحور الثاني: فسيتركز على تنفيذ التحديثات التطويرية اللازمة، وإضفاء المرونة اللازمة لجداول تنفيذ عديد من البرامج التنفيذية، إضافة إلى تحديد أولويات تنفيذ كل المبادرات التي تم الإعلان عنها والمتوقعة مستقبلا، وتوفير الإمكانية اللازمة للتغييرات المتعلقة بالسياسات التشريعية المرتبطة بها. وأخيرا المحور الثالث: فيتركز على نقل مبادرات عديد من البرامج إلى الجهات التنفيذية المرتبطة بها، مثل تعزيز الشخصية الوطنية وريادة الشركات الوطنية والشراكات الاستراتيجية، وذلك بعد تحقيق تلك البرامج التنفيذية أغلب أهدافها خلال الأعوام الخمسة الأولى من مسيرة رؤية المملكة 2030، وانتفاء الحاجة إلى الحفاظ على استقلاليتها خلال المرحلة الثانية التي بدأت مع مطلع العام الجاري.
تصب تلك التحولات والتطويرات سواء على البرامج السابقة، أو المزمع تدشينها في اتجاه تسهيل الأداء الاقتصادي العام، والدفع به بوتائر أسرع وأكثر مرونة، التي من شأنها مجتمعة أن تسرع وتعزز من النمو الاقتصادي المستدام عموما، والقطاع الخاص خصوصا، وتسهيل بيئة الأعمال المحلية، التي تتأهب لاجتذاب مزيد من استثمارات القطاع الخاص بما يقدر بنحو 5.0 تريليونات ريال خلال العقد المقبل، إضافة إلى نحو 4.0 تريليونات ريال تحت مظلة الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، الأمر الذي سينعكس بمجمله على استمرار برامج وسياسات زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بما يعادل 60 في المائة منه في منظور نهاية العقد الراهن، وما سينتج عنها من اعتماد أكبر على المحتوى المحلي، إضافة إلى توسيع خيارات قنوات الاستثمار المحلية، وزيادة أعداد فرص العمل الملائمة أمام الموارد البشرية المواطنة، المقدر ارتفاع أعدادها خلال العقد المقبل إلى أعلى من 1.1 مليون فرصة عمل جديدة، بمشيئة الله تعالى.
إن من أكبر المحفزات والممكنات اللازمة لزيادة انتعاش وتعافي الاقتصادات، يتمثل في التطوير المستمر والمتسارع للتشريعات والأنظمة والسياسات، وهو بالتحديد ما ستتركز المرحلة الثانية الراهنة، وما سيوفر المرونة اللازمة لاجتذاب الاستثمارات محليا وخارجيا، مضافا إليه بكل تأكيد توافر الفرص الاستثمارية المجدية، وهو العامل الأكثر توافرا للاقتصاد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، وتتوافر لديه الممكنات اللازمة التي يفتقر إليها أغلب الاقتصادات إقليميا، بدءا من الاستقرار السياسي والراسخ، مرورا بالسمات الديموغرافية التي يتمتع بها المجتمع السعودي، بما تشكله الشرائح الشابة الحاصلة على المؤهلات التعليمية اللازمة، ولارتفاع متوسط الدخل لدى أغلب السكان، وما يشكله ذلك من قوة شرائية جيدة تجتذب مزيدا من الاستثمارات بمختلف اتجاهاتها، إضافة إلى جاذبيته على مستوى تأسيس القطاعات والصناعات الواعدة والجديدة، التي أصبحت تتمتع بالدعم اللازم محليا، وتمت معالجة كل المعوقات التنظيمية التي كانت خلال عقود مضت تقف في طريقها.
تحمل التطورات المرتقبة للمرحلة الثانية من عمر رؤية المملكة 2030 في جزء منها ممكنات ومحفزات نجحت المرحلة الأولى في توفيرها للاقتصاد الوطني، لم يكن أغلبها متوافرا قبل انطلاق المشروع الاستراتيجي لرؤية المملكة 2030 في نيسان (أبريل) 2016، وتحمل في جزئها الآخر فرصا استثمارية واعدة جدا، ليست الأعوام الخمسة المقبلة إلا بدايتها الأولى، والتأكيد أن ما سيليها من مراحل ستشكل داعما مستمرا لنمو واتساع حجم تلك الفرص الاستثمارية المستغلة، إضافة إلى ما ستثمر عنه من فرص استثمارية متجددة، ستستفيد بالدرجة الأولى من الإنفاق الكبير على البنى التحتية المتطورة، إضافة إلى مزيد من التطور المرتقب في بيئة الأعمال المحلية، وزيادة أحجام المدن الرئيسة في السعودية، إضافة إلى ما سيتم تأسيسه من المدن الجديدة المتطورة التي بدأت أول ابتكاراتها في نيوم.
ختاما، تشكل الشفافية ورسوخ مبادئ الحوكمة ومحاربة الفساد، الركائز الأعلى أهمية لأي اقتصاد يستهدف التطور والتقدم قبل أي اعتبار آخر، وهي الركائز الأساسية التي سعت رؤية المملكة 2030 إلى تأسيس العمل بها منذ الانطلاقة الأولى لبرامجها، وكانت اللاعب الأهم في تحقيق ما تم تحقيقه طوال الأعوام الخمسة الماضية، وهي أيضا اللاعب الرئيس الذي سيستمر الاعتماد عليه وعلى تطويره، وتوسيع العمل به في جميع جوانب الحياة العامة في المملكة خلال الأعوام المقبلة، بكل ما تمثله تلك الركائز الأساسية من حماية لازمة لمقدرات البلاد والعباد، وبما توفره من موثوقية لا بد منها لأي اقتصاد يستهدف التربع في المستويات العليا من سلم التقدم العالمي في المجالات كافة.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.