.
.
.
.

أمير الاستشراف المستقبلي

خالد بن حمد المالك

نشر في: آخر تحديث:

حديث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتفاصيله ورؤاه، وما حمله من أرقام وإحصائيات، وبما كان عليه من وضوح في تحديد الأهداف، وتسجيل المواقف، والنظر إلى الأمام بتفاؤل كبير، لا خوف يشغله عن برامجه، ولا تحديات تصرفه عن خططه؛ فهو أمير جَسور، ومقدام، وصاحب همة عالية، ومثله من يجب أن يؤخذ القول منه، ويُحاكَى بما يفعله، ويُقلَّد في كثير من خطواته.

* *

تابعنا حديثه لقنوات التلفزة مع الإعلامي المميز عبدالله المديفر على مدى ساعة ونصف الساعة، وكان سموه ملهمًا، فطنًا، ذكيًّا، شجاعًا، يضع كلماته في مكانها وموضعها الصحيح. وهو نهج اعتدنا أن نسمعه منه، وأسلوب عودنا عليه، ورسائل يحرص بين الحين والآخر على إيصالها إلى مواطنيه والعالم، فكانت المتابعة للقاء كبيرة جدًّا، والتفاعل معه امتد إلى خارج الوطن، وأصداؤه لا تزال تتردد على الأسماع، وتنقلها وسائل الإعلام باهتمام وإبراز.

* *

يقول الأمير: «هناك خلل في الوضع الاقتصادي، وهناك تبعات مالية واقتصادية على مستوى الوطن والمواطن، ولدينا مشكلة في الإسكان منذ عشرين عامًا، ولدينا في عام 2005م 80 % من الوزراء غير أكفاء، لا أعينهم حتى في أصغر شركة استثمارات عامة. والخط الثاني من نواب أو وكلاء وزارات شبه معدوم، ونسبة عالية من القيادات في الوزارات شبه مفقودة، وليس هناك ديوان ملكي ومجلس عمل للوزراء لدعم صانع القرار، ولا يوجد فريق أو حوكمة جيدة، أو تخطيط لإنجاز المستهدفات وأهداف المستقبل».

* *

وأمام هذه الحالة والصورة والتحديات التي أشار إليها سموه كان عام 2015 عامًا صعبًا؛ فتم مواجهته بإعادة هيكلة الحكومة، وإنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السياسية والأمنية، وإعادة هيكلة بعض القطاعات، وبعض الوزارات، وتعيين وزراء جدد، وتعيين نواب ووكلاء للوزراء، ومع ذلك فالتحديات لم تختفِ مع هذه الإجراءات الأولية، فقد احتاج التخلص من السلبيات إلى عمل مؤسسي داخل الدولة، ومن هنا بدأ التدرج في التغيير الشامل لإصلاح ما كان موضع ملاحظة في أداء أجهزة الدولة.

* *

كانت البداية بإنشاء مكتب استراتيجيات لترجمة الرؤية، ووضع الاستراتيجيات لقطاع الإسكان، والطاقة، والصناعة، وجودة الحياة، وغيرها من الاستراتيجيات والبرامج التي نصت عليها الرؤية، وإنشاء مكتب عمل ميزانية الدولة، بدلاً من أن تقوم بها وزارة المالية التي أصبحت بذلك مجرد (خزنة) تصرف وفق المعتاد، وكل هذا تم تحت مظلة مجلس الشؤون الاقتصادية، وبرئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والأمير ليس قلقًا؛ فهناك - يقول سموه- شيء سنراه هذه السنة، ويعني به إنشاء مركز دولة بكفاءة عالية.

* *

وفي موضوع الإسكان الذي كان - على ما يبدو - الشغل الشاغل لمحمد بن سلمان، تحدث بصراحة مشيرًا إلى أنه في عهد الملك عبدالله - رحمه الله - تم رصد 250 مليار ريال في عام 2011م للإسكان، ولم تُستغل، ولم تتمكن وزارة الإسكان من تحويل هذه المبالغ إلى مشاريع على الأرض؛ والسبب أن مركز الدولة كان ضعيفًا، والوزارات متفرقة، ووزير الإسكان لا يستطيع دون أن تكون هناك سياسة عامة للدولة بالتنسيق مع كل من البلديات، ووزارة المالية، والبنك المركزي، وسَن التشريعات، والقطاع الخاص، وغير ذلك. الآن رجعت الـ250 مليارًا إلى خزانة الدولة، وصُرفت ميزانية سنوية، فارتفعت نسبة الإسكان إلى 60 % بدلاً من 47 % خلال أربع سنوات.

* *

الأمير يعترف بالمعوقات، ويتحدث عن التحديات، لكنه لا يتهرب، ولا يلقي اللوم على غيره دون سبب، ولا يقول إنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، بل واجه التحديات بالتخطيط، والرؤية، والمستهدفات، واختيار من لديه شغف للعمل إلى جانبه من المواطنين الأكفاء، ونجح سموه مدعومًا من الملك سلمان في كسب المعركة في زمن قصير، ولم يعد هناك تهاون، أو تقصير، أو اجتهادات في العمل دون علم ومعرفة، وأصبح الجميع في كل مستويات ودرجات الوظيفة تحت المحاسبة والمراقبة، وطائلة القانون عند حدوث أي تقصير، ومن يكون ناجحًا يقدر، ومن ليس كذلك، يتم اختيار غيره، والقطار يسير بسرعة، ولا ينتظر من يتأخر في الوصول إليه، والمستقبل مشرق، وما كان حلمًا أصبح واقعًا وحقيقة، وأصبحنا على موعد يتكرر مع كل ما يسر الخاطر ويفرحنا.

(نواصل الحديث بعد غد الأحد).

نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.