.
.
.
.

خطوات نحو العالم الأول

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

محاربة العادات القديمة بحاجة للدأب والمثابرة، والقدرة على الاحتمال: كان الناس يسيرون على العشب الطري، وينهبون مساكب الورد، ويسرقون الشجيرات، أو يوقفون دراجاتهم الهوائية والنارية قرب تلك الأكبر حجماً، الأمر الذي يؤدي إلى كسرها. لم يكن الفقراء وحدهم من يتعدون على حرمة المرافق العامة، فقد ألقي القبض على طبيب وهو يسرق من منتصف الشارع شجيرة صنوبر ثمينة غرست حديثاً. من أجل التغلب على ما أبداه الناس من عدم مبالاة في البداية قمنا بتثقيف أبنائهم في المدارس عبر إشراكهم في زراعة الأشجار، ورعايتها والحفاظ على الحدائق، ثم حمل الأبناء الرسالة إلى الآباء في المنازل. غرسنا ملايين الأشجار بمشاركة المتطوعين، حملة التشجير رفعت الروح المعنوية للناس وجعلتهم يفاخرون بمحيطهم، علمناهم العناية بالشجرة وعدم قطعها، لم نفرق بين مناطق الطبقة الوسطى والطبقة العاملة. كافحنا الذباب والبعوض، ونظفنا المجارير القذرة والقنوات النتنة. وبخلال سنة واحدة أصبحت الأناقة والنظافة في الأماكن العامة واضحة للعيان. (من كتاب رئيس وزراء سنغافورة لي كوان يو "من العالم الثالث إلى العالم الأول")

تذكرت هذه الكلمات وأنا أتسمر وكل أفراد أسرتي أمام شاشة التلفزيون لنستمع إلى ولي العهد الأمير محمد وهو يتحدث بإسهاب عن رؤية المملكة 2030 وبرامجها المختلفة، حديثه ذكرني ببعض ما ذكره رئيس وزراء سنغافورة السابق لي كوان يو من خطوات للخروج بسنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول، وأقارنها بما تعيشه المملكة منذ خمس سنوات،. مع فارق الجهد المبذول هنا وهناك، فسنغافورة لا تتعدى مساحتها مدينة متوسطة الحجم من مدن المملكة، بينما المملكة قارة تعيش في منطقة ملتهبة، وتواجه تحديات كثيرة، داخلية وخارجية.

من استمع إلى حديث ولي العهد بمناسبة مرور خمس سنوات على إطلاق الرؤية، يدرك أي نوع من القادة أمامه، قائد يسكنه الوطن، حالم إلى أبعد الحدود، شجاع في اتخاذ القرارات حتى وإن كانت مؤلمة، طالما أنها تصب في الصالح العام.

حين أطلق الرؤية كان أهم بنودها الاقتصاد وتنويع مصادره، فالاقتصاد هو الأساس في استقرار الدول وقوتها السياسية والعسكرية والاجتماعية، لا يمكن لدولة بحجم المملكة وعدد سكانها أن تعيش على مصدر واحد، ولذا كان التعدين والصناعة والسياحة روافد للاقتصاد المستدام وأحد أهداف الرؤية.

تطرق الأمير إلى صندوق الاستثمارات العامة، وكيف أصبح هو الممول للكثير من المشروعات التي لا يستطيع أن يقوم بها القطاع الخاص وحده، وأصبح العائد من استثماراته في حدود 6 % بعد أن كان لا يتجاوز 2 %. وسيضخ المزيد من المليارات كل عام في شرايين الاقتصاد، على أن يكون شريكاً وليس منافساً.

تحدث الأمير عن البيئة فأسعد كل الغيورين عليها والتي بحت أصواتهم لتفادي تدهورها بسبب الرعي الجائر والاحتطاب وتلويث البيئة، فمنذ انطلاق الرؤية والبيئة حاضرة في كل قرارات مجلس الوزراء فمن تغيير مسمى وزارة الزراعة إلى وزارة البيئة والذي يعد دليلاً على أهميتها، ثم تجديد الأنظمة وإصدار أنظمة جديدة، وعقوبات تضمن حماية الشجرة والحياة الفطرية بالمملكة، ولأن الأنظمة لا تفيد ولا تردع إلا بتطبيقها فقد صدرت موافقة مجلس الوزراء على إنشاء القوات الخاصة للأمن البيئي للتأكد من حماية البيئة والحياة الفطرية المهددة بالانقراض.

أصبحت البيئة في رؤية المملكة ذات أولوية لإدراك القيادة لأهميتها في كل نواحي الحياة من صحة المواطن إلى تنشيط السياحة ونظافة البيئة والحفاظ على الحياة الفطرية. ولهذا أطلق الأمير محمد مبادرته الرائعة لزراعة خمسين مليار شجرة، منها عشرة مليارات داخل المملكة، وهذا تفكير استراتيجي وتوجيه واضح لكل الوزارت والهيئات بضرورة العمل المستمر لتحقيق هذه المبادرة مع حسن اختيار الشجرة التي تناسب البيئة الصحراوية.

ولأن التعليم هو الأساس لتنشئة جيل يحقق كل ما تصبو إليه القيادة، فقد كان في صلب حديث الأمير ومركز اهتمامه، وأنا على يقين أن التعليم بكل مراحله سيشهد تطورات جوهرية ترفع من مستوى الطالب الفكري والبدني والمهني. وأهمها جميعاً رفع مستوى المعلم والمعلمة وأستاذ الجامعة.

أوضح الأمير محمد أن ما يحكم علاقة المملكة بالدول هي المصالح المشتركة، وأن المملكة تمد يدها لكل من ينشد السلام والتعاون والعلاقات المتوازنة.

المملكة تسير بخطى حثيثة نحو العالم الأول، وهو المكان اللائق بها لما تملكه من مقومات التقدم والتطور، بعد أن تأخرنا كثيراً عن ذلك لغياب الرؤية وغياب روح الفريق والكفاءة كما أشار سمو الأمير في حديثه التاريخي.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.