.
.
.
.

خمسة أعوام من التنمية وتحرير العقل

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

من تابع مقابلة سمو ولي العهد -يحفظه الله- يوم الثلاثاء الفائت بمناسبة مرور خمسة أعوام على البدء في رؤية 2030م، سوف يصل إلى نتيجة حتمية أن هذا الرجل كان عازماً على تغيير وجه المملكة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية مع إصرار واضح على التشبث بالأصول والمنابع فالدستور هو القرآن ومرجع الحكم هو الشريعة الإسلامية، لكن لا يعني هذا البقاء في حالة العزلة والانغلاق التي كنّا عليها. تشمل عزيمة الأمير على تفكيك الصورة الذهنية الثقافة السائدة قبل الرؤية وبناء صورة جديدة تنبذ تأليه الأشخاص وإنزالهم منازل فوق البشر وتواجه ثقافة الرأي الواحد بمزيد من الانفتاح على الرؤى المتعددة.

الأمير يريد التغيير، ولا يخاف من هذا التغيير لأنه مؤمن بأن المواطن السعودي يملك "هوية قوية" تمكنه من مواجهة العالم، فقط الضعيف هو الذي يخاف من الانفتاح على الآخر والتعامل معه، والسعودية ليست ضعيفة ولا تخاف من شيء، إلا من الله. الهوية ذات الامتدادات التاريخية العميقة المرتكزة على قيم دينية واجتماعية وبيئية ضاربة في جذور الانسان والمكان، هي التي يعول عليها ولي العهد في قوة المواطن السعودي وفي قوة المملكة التي ستقول للعالم بكل وضوح إنها موجودة وواضحة شفافة ولا يوجد لديها شيء تخفيه عن الأنظار. ويبدو أن هذه الثقة الكبيرة في المواطن السعودي التي يظهرها الأمير في كل أحاديثه هي مصدر الاطمئنان الذي يعول عليه في نجاح الرؤية، فعندما يكون الإنسان مستعداً للتغيير يصبح كل شيء ممكناً.

خمسة أعوام من الرؤية مرت وكان الكثير يراهن على فشل هذه الرؤية، خصوصاً أولئك الذين لا يتمنون للمملكة الخير، لكن الأمير كان يراهن على شيء آخر أغفله هؤلاء، فقد كانوا ينظرون للاقتصاد وكان الأمير ينظر للإنسان الذي يصنع الاقتصاد، الرؤية لا تتحقق دون تحرير العقل المكبل وجعله ينفتح على ثقافات العالم. الخطوات المتسارعة التي عملت عليها الرؤية كانت في اتجاهين متوازيين الأول الإصلاح المؤسسي وسن التشريعات وبناء ثقافة جديدة للعمل المؤسسي الحكومي والخاص مع إصلاحات اقتصادية شاملة لا تمس المواطن السعودي إلا في بعض المواطن القصيرة المدى وفي الاتجاه الآخر كان هناك عمل مضن على بناء العقل وتحريره من الشوائب التي علقت به خلال العقود الماضية. ويبدو أن الرهان على تحرير العقل، الذي ربما يكون مازال في بدايته، هو المفاجأة الكبرى التي صدمت العالم، خصوصاً أولئك الذين يتمنون فشل الرؤية. فقد كانت حساباتهم على الجوانب المادية وفاجأهم الأمير بالقفزة الفكرية النوعية التي يريد أن يخطوها المجتمع السعودي بأكمله.

يتحدث الأمير بطلاقة متناهية في التفاصيل التنموية وكأنه قد خرج تواً من اجتماع يخوض في وضع خطط اقتصادية ويتناول القضايا الفكرية التي يصطدم بها المجتمع، خصوصاً تلك التي تمثل مرجعية دينية ودستورية، ويخوض فيها بجرأة وشجاعة الواثق مما يريد أن يحققه ويصل إليه، فلا مجال للتردد هنا، فالحركة فقط للأمام ولتحقيق التحول؛ التحول الاجتماعي والثقافي، الذي يصنع عقلاً سعودياً جديداً. يتحدث عن التعليم بشغف ويضع ملامح لجامعات سعودية تكون من أفضل عشر جامعات في العالم. إنها ملامح تفرض تحديات كبيرة خلال العقد القادم وتضخ الحماس للعمل الجاد حتى عام 2030م. وبالتأكيد هذا التاريخ ليس نهاية المطاف لكنه علامة للقياس وإعادة التفكير في المنجزات.

حديث سمو ولي العهد عن التنمية المدينية والعمرانية وخلق الفرص الوظيفية وتقليص البطالة كان مدهشاً، لأنه ينبع من الفكر الكلي الشمولي للتغيير الذي يسعى له الأمير، فهو متيقن أن الاقتصاد استقرار، وأن المدينة هي منبع الاقتصاد ويجب استثمار كل الفرض لتحقيق الاستقرار من خلال تطوير المدن. يتحدث عن الرياض لكنه في نفس الوقت يفتح الباب على مصراعيه لتحقيق التنمية المتوازنة في كل مناطق المملكة، فأينما تكون الفرص سانحة للتنمية سوف يتم توظيفها، وعلى المواطن السعودي أن يكون جاهزاً وخلاقاً في اغتنامه لهذه الفرص. هناك مرتكزات أساسية للتنمية ترتبط في الأساس بصناعة العقل وتهذيب المهارات وتطويرها. لذلك كان هناك تلازم أساسي في حديث الأمير بين ما يمكن أن تفعله الحكومة وبين مقدرة الانسان السعودي على تحقيق هذه الإرادة وتلك الأهداف. إننا أمام رجل دولة ومواطن من الدرجة الأولى يتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية في المدينة السعودية ليس اليوم بل بعد عشرة أعوام، شغوف بكل ما هو سعودي، فهو يرى في الشغف بداية النجاح لكل شيء، لذلك تقفز الكلمات من فيه قفزاً عندما يتحدث عن السعودية الشغوف بها وبشعبها.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة