.
.
.
.

استدعاء طارئ ليوميات قارئ

أحمد عبدالرحمن العرفج

نشر في: آخر تحديث:

ذكرت في مقال سابق أن إحدى القارئات سألتني عن علاقتي بالقراءة.. فقررت أن تكون الإجابة كبسولات مختصرة على شكل يوميات.. تأتي على حلقات.. بمعنى آخر سأجيب عن القراءة وأحوالها كلما تيسرت الإجابة.. وأجوبة القراءة -كما تعلمون - مثل أسئلتها لا تنتهي. لذلك هاكم «الحلقة الأولى» من اليوميات:

الأحد: القراءة لا تعني الانزواء في صومعة الكتب واعتزال العباد والبلاد -كما يتصوّر البعض- بل هي -أي القراءة- من أهمّ المزايا التي يجب أن يتحلّى بها من يتحمّلون المسؤوليات القيادية، فمثلاً حين ‏سُئل الفيلسوف الفرنسي فولتير: من سيقود الجنس البشري؟ قال: (الذين يعرفون كيف يقرأون).

الاثنين: ليس مهماً لمن تقرأ، بل المهمّ ماذا تقرأ، لأن الكُتب تُعرف بجنسها المعرفي، لا بجنسية مؤلِّفيها، ويؤيد هذه الفكرة الدكتور عبد الكريم بكّار، حيث يقول: (ستكون فائدة القارىء من القراءة أعظم إذا استطاع أن يعرف هوية الكتاب والجنس المعرفي الذي ينتمي إليه).

الثلاثاء: التحلي بالموضوعية يبدو أمراً صعباً على البشر عموماً، لكن الواجب الأخلاقي يحتِّم علينا محاولة التماس الموضوعية ما استطعنا إليها سبيلاً، وهذه المحاولة ليست مسؤولية الكاتب وحده، بل القارئ أيضاً شريك في شرف المحاولة على الأقل، من خلال تنحية دوافعه الشخصية وقناعاته المسبقة قبل الشروع في القراءة، حتى لا يُفسد على نفسه المتعة والدهشة بالتركيز على النزعات الشخصية للكاتب وخلفياته الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية.. إلخ، فالكتاب أهمّ من كاتبه، كما أن القارئ الحاذق لا يقع فريسة لآراء وانطباعات واستنتاجات الآخرين حول كتاب لم يقرأه شخصياً بعد، فما نقرأه بأنفسنا أهمُّ مما نقرأ عنه.

الأربعاء: لم أقرأ حتى الآن أبلغ من تبسيط العالم الكبير ابن الهيثم للنظرية العرفجية حول «تفعيل خاصية العقل النقدي أثناء القراءة»، فقد شرح نظريتي بما معناه أن القارئ يجب أن لا يتسامح أثناء القراءة مع الفكرة ولا يتحامل عليها في نفس الوقت، وبذلك تتحقق الفائدة القصوى من القراءة، وهذا المعنى قريب من ما قاله المفكر عبد الكريم بكّار حين نصح القارئ بأن (لا يستسلم لمن يقرأ له، وإنما يسأل نفسه: ما المسائل التي حاول الكاتب حلّها وتقديم رؤى حولها).

الخميس: بعض القرّاء يُجبر نفسه على قراءة ما لا يحبُّه، وهذه قد نقبلها من الراسخين في القراءة، أما المبتدئون والناشئة فمن الجيد أن ينطلقوا إلى عالم القراءة من خلال ما يحبُّون، وهذه النصيحة يصادق الصديق الدكتور ساجد العبدلي صاحب كتاب «اقرأ»، حيث يقول: (لا تجبر نفسك على قراءة ما لا يستهويك لأي سبب كان ما لم يكن واجباً مدرسياً).

الجمعة: ماذا نقرأ؟ إنه سؤال يحتمل أكثر من 1000 إجابة، إحداها تقول: (لا بد من العناية بأركان الثقافة في خطة القراءة وهي : الدين واللغة والتاريخ ثم القراءة في أسس الفنون).

السبت: سُئل حكيم: لماذا لم تتزوّج؟ فقال: لقد تزوّجتُ مكتبتي بعد أن فشلتُ في العثور على امرأة تحمل مزايا المكتبة، فزوجتي كلّما تقدّم بها العمر أصبحت أكثر شباباً، وهي لا تغار من المكتبات الأخرى، لأن ثقتها في نفسها وفي حبِّي لها كبيرة، وزوجتي أيضاً تسعد بتغذية روحي وعقلي على مدار الساعة دون تذمُّر أو تأفُّف، كما هو شائع بين نسائكم!.

كما أن جمال زوجتي لا يحتاج إلى مساحيق تجميل وعطورات، فرائحتها العتيقة تثير فيّ شهوة القراءة.. وأيضاً مما يميِّز زوجتي «المكتبة» عن زوجتك «المكتئبة» أنها لا تخشى أن يفسد الغبار «مكياجها»، فكلما زار الغبار أحد رفوفها كان ذلك بمثابة تذكير لقراءة كُتب لم تمسّها الأيدي منذ فترة طويلة.

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.