.
.
.
.

صادق القلق

عبدالله الحريري

نشر في: آخر تحديث:

من أكثر ما يزعج الناس ويعكر صفو حياتهم هو القلق وأعراضه والأمراض ذات العلاقة به،

تعرفون لماذا يزعجنا ويربكنا ويخيفنا القلق؟ لأنه أشبه بالطفل المزعج، نحبه ولا نقبل إزعاجه، ومما يجعل القلق صاحب المكانة الأولى في الإزعاج الأعراض المصاحبة له، كارتفاع ضربات القلب، وتصبب العرق، وارتعاش الأطراف، وضيق التنفس، والشعور بالدوار وضعف التوازن... إلخ من الأعراض التي تخوفنا وتربكنا وتقلل من تفاعلنا الاجتماعي، وعندما نشعر بهذه الأعراض تشتغل عندنا الأفكار الكارثية، فمنا من يتوقع سوء الطالع أو ارتقاب خطر ما أو خبر مؤلم على وشك الوقوع، كالأم دائمة الخوف على أولادها إذا خرجوا خارج المنزل فلا ترتاح حتى يعودوا أو يتصلوا بها كلما مر بعض الوقت ليطمئنوها، ومنا من تتحول لديه الأفكار إلى أفكار وسواسية تنكد عليه حياته وتجعله في حالة يرثى لها من الوساوس وطقوسها وتحرمه لذة الحياة، وآخرون من مستشفى إلى آخر يتوقعون بأن أمراض الدنيا فيهم وخاصة الخطيرة على الرغم من تأكيد الفحوصات أنهم بصحة وعافية، والبعض تذهب به الأفكار والأمراض إلى المجتمع فيخاف ويرهب ويرتبك ويود أن يكون كامل الأوصاف... وكأنهم أسود متوحشة بينما هم بشر مسالمون لا يملكون ضره أو نفعه، ومنهم من ينتابه الفزع، وآخر يخشى الأماكن أو يسيطر عليه الخوف من شيء محدد، وإذا ركب الطائرة توقع أنها ستسقط ويحيك في ذهنه قصة هلاكه من الألف حتى الياء.

المهم عالم القلق عالم كبير يتحكم في عملياتنا الفكرية المعرفية، ويجعلنا في حالة من التوتر وتنغيص الحياة مع أنه رفيق الحياة الذي يجب ألا نتخلص منه، إلا أن الأفكار الكارثية المصاحبة هي مربط الفرس، وأقصد القلق الطبيعي الذي يدفعنا للنشاط والحركة والإنجاز وليس القلق الذي يحد من نشاطنا وتفاعلنا ويجعلنا كارثيين ومبالغين في توقع الأحداث والمواقف الخطيرة والسلبية.

اليوم أصبح الإنسان أكثر قلقا من قبل، وأكثر خوفا على صحته ومستقبله من كثرة ما يسمعه في وسائل الإعلام والتواصل من أحداث منها ما هو مؤلم ومنها ما هو مؤسف، وأصبح مخّه يتغذى معرفيا بشكل يومي على أخبار الأمراض والموت والفاجعات، ويتعرض للصراعات والتوترات والمؤثرات في البيت والشارع والعمل، وكلما زاد استبصار الأشخاص وانفتحوا على المعلومة زاد قلقهم، بينما كلما كانوا منعزلين وبعيدين عن زحمة طرقات المدينة كانوا أقل قلقا وراحة. القلق على الرغم من نتائجه المظلمة وسيطرته علينا وعلى أفكارنا أضعف بكثير مما نتوقع، وأسهل مما نتوقع للسيطرة على أعراضه، المهم أن نبدأ من الآن ونقف لحظة تأمل ثم نقرر أن نتصاحب معه، ونجعله الشريك المزعج، ونتعايش مع أفعاله وأفكاره على أنها لم تأتنا من القمر أو بسبب الآخرين، ولكن من أنفسنا وبالشكل الذي نتحدث به مع أنفسنا، فكلما تحدثنا مع أنفسنا بواقعية ومنطقية وعقلانية وشفافية عما يقلقنا ويخوفنا سنجد الحل لدينا، وإذا استمرينا في عكس ذلك فلن نجد الحل، وستتغلب علينا الأفكار والأعراض المقلقة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.