.
.
.
.

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

لو أنك مشيت قرب محطة قطار شيمباشي في طوكيو العام 2018م للفت انتباهك شيء بارز وسط المطاعم والمقاهي والمحلات، وهو مظاهرة. ستجد لوحات باليابانية لكن واحدة بالإنجليزية مكتوب عليها: أوقفوا وفيات كاروشي!
هذه كلمة يابانية تعني الموت بسبب الإفراط في العمل الشاق، ظاهرة زادت عن حدها خاصة ابتداء من الثمانينات الميلادية رغم أنها معروفة قبل ذلك، فيموت الشخص فجأة بلا سابق مرض، ولها تاريخ، فبعد أن بدأت اليابان في ترميم وإعادة إعمار نفسها بعد الحرب العالمية الثانية تَطلّب هذا جهداً شديداً، يكرّس الموظف والعامل كل وقته لعمله ليخرج بلده من الأنقاض، وحتى بعد الحرب لم يتوقف هذا، لأن الثقافة اليابانية تجعل الموظف ينصهر في شركته ومنظمته، ينظر لها كواجب مقدس لا كمصدر مالي ينساه بعد أن يرجع إلى البيت عصراً، ولهذا انفجرت الساعات اللانهائية للموظفين وسببت الأمراض والوفيات تلك، ولا يمكن للشخص أن يعمل 12 ساعة في اليوم 6 أيام في الأسبوع - كما يفعل الكثير من اليابانيين - بلا أي آثار، بل صار الشباب في العشرينات يموتون بالجلطات والنوبات القلبية، ومثل تلك الممرضة ابنة 22 سنة والتي عملت 34 ساعة متواصلة ليس مرة واحدة بل ما لا يقل عن 5 مرات في الشهر، وذلك لبضعة سنين، حتى سقطت ميتة. والذي لا يقتله العمل فإنه كثيراً ما ينتحر بسبب الضغط النفسي المهول والذي لا تطيقه النفس البشرية ولا تستطيعه.
لهذا ظهرت تلك النداءات التي تحاول إيقاف الظاهرة ونشر الوعي عنها، والمشكلة الكبيرة أن العمل الشاق المتواصل هو جزء من ثقافة الحضارة اليابانية نفسها إلى درجةٍ ما، وهذا ما يجعل علاجها صعباً، وليت هؤلاء الذين يعانون من كثرة الضغوط يهونون على أنفسهم، فالإنسان يعمل ليعيش لا يعيش ليعمل، وإذا أفرط فلا يلومنّ إلا نفسه لو كان مصيره "كاروشي".

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.