.
.
.
.

لماذا نقتني الفن؟!

هناء حجازي

نشر في: آخر تحديث:

لفتني حوار في تويتر لفنانة تشتكي من تنمر أحدهم حين عرف سعر لوحاتها.

وفكرت وقتها. لماذا يسعى الناس لشراء لوحة أو منحوتة. ماذا يعني الاحتفاظ بالجمال وهل كل الراغبين في حيازته لهم نفس الأهداف.

جواباً على السؤال الأخير، بالطبع لا، فهو عند البعض أداة استثمار، لكن ما يجعله كذلك يعود بنا إلى السؤال الأول، لماذا يرغب الإنسان في امتلاك لوحة لدرجة أن هذا الولع يجعل الفن سلعة مرغوبة يمكن المستثمرين من جعلها مادة استثمار.

في البداية. ما يجعل الإنسان يرغب في اقتناء لوحة والاحتفاظ بالجمال ملكاً شخصياً له إجابته من وجهة نظري هي نفس إجابة سؤال ما الذي يجعل الإنسان ينتج الجمال ويبدعه.

لماذا من الأساس يقوم إنسان عاقل بالتعبير عن نفسه بوضع أصباغ على قطعة قماش. هذا الشغف الذي يملكه الفنان بالعمل الدؤوب والمستمر كي يضع أفكاره أو وجدانه أو ما لا يفهمه، روحه ربما في قطعة القماش هذه، هذا ما يجعل الفن فناً. مسألة لا يمكن الإجابة عنها بسهولة. احتاجت إلى فلاسفة ومفكرين ويستمر الحديث عنها ما وجد الإنسان.

هذا اللغز، هذه الحيرة في ماهية الفن وهذا الشغف في خلقه والبحث عنه، هو ما يجعل الفن مرغوباً ويجعل له هذا الثمن الغالي، تتدخل طبعاً أمور أخرى مثل شهرة الفنان لكنني أتحدث عن الأساس. عن المبدأ.

حين يقوم فنان بصناعة فنه، حين يمسك بفرشاته ويحملها ألوانًا يلون بها مساحة خالية، الاستغراق الذي يكون فيه، الحالة الوجدانية التي يعيشها وهو يقوم بذلك، الأفكار التي تنتابه، حركة يديه التي يتحكم بها دماغه، دماغه الذي يحتوي على ثقافة فنية نماها على مدى سنين. والموهبة. الموهبة التي تخلق مع الفنان والتي هي الأخرى لغز لا نملك إجابته، كل ذلك، هو ما يجعل الفن فناً، وما يجعلنا نرغب في اقتنائه وما يجعلنا نشعر بالغنى والفخر حين نقوم بوضع لوحة فنية على جدار نمر عليه كل يوم. حتى لو اعتدنا عليه، التعود عليه يعني أننا لا يمكن أن نستغني عنه بسهولة. وحين يصبح الجمال تعوداً، أعتقد أن هذا أرقى أنواع التعود. هذا يعني أننا سنصبح رافضين للقبح. وهذا أيضاً أرقى أنواع الرفض.

حين نضع لوحة فنية على جدارنا يعني أننا نضع حس الفنان وشغفه وهو يصنع اللوحة على جدارنا، يعني أننا نملك هذه اللحظات وهذه المادة المحسوسة فعلياً. وهذا يختلف تماماً عن النسخة المطبوعة من العمل. ولهذا كان الفرق في السعر. ولهذا يحب مقتني الفن اقتناءه.

اقتناء لوحة أو منحوتة يمنحك الشعور بالسعادة. وقبل ذلك البحث عن اللوحة التي ستشتريها يمنحك هذا الشعور، كل العملية تمنحك هذا الشعور. بدءًا من النظر إلى الأعمال، التردد على المعارض الفنية. الشعور الذي تشعره إزاء لوحة بعينها، اتخاذك القرار بالحصول عليها، ثم أخيراً وضعها في المكان الذي تليق به. كل خطوة من هذه الخطوات تمنحك سعادة. وعند البعض تتكرر هذه السعادة مع كل عمل فني يقومون باقتنائه. اقتناء الجمال هو ما يمكن الفنانين من الاستمرار في الإبداع. والشخص الذي يشتري لوحة هو مساهم بالتأكيد في هذه العملية الإنتاجية. لولاه، لتوقف الفنانون عن الإبداع. الفنان في النهاية إنسان له متطلباته الحياتية. وبدون الباحثين عن فنه، سيتوقف. ويجف الإبداع. ويقل الجمال في العالم.

هذه باختصار رؤيتي حول أهمية اقتناء الأعمال الفنية. بعيداً عن مسائل شائكة أخرى تخرج عن الفن.

كل لوحة تملكونها أنتم تساهمون في إبداعها بشكل من الأشكال. شكراً للمقتنين.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.