.
.
.
.

ولادة الرموز

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

لأبدأ هنا بسؤال شائك حول علاقة الفن بالحلم عند الإنسان، فهل عبقرية الفن هي نتيجة للأحلام التي تعتبر في عرف عالم النفس "كارل يونغ" وسيلة اتصال بين اللاشعور (العقل الباطن) وبين الواقع؟، ما أعرفه وما تعلمته هو أن الإنسان بطبيعته وعبر تاريخه الطويل كانت لديه قدرة فائقة على إنتاج الرموز، ولكن حتى الآن لم أصل إلى نتيجة تقنعني بالكيفية التي يتم فيها إنتاج هذه الرموز. ويبدو أن "يونغ" يحيل ولادة الرموز إلى آلية عقلية لاشعورية ورثها الإنسان وأصبحت جزءاً من مكونه فهو يقول: "هناك جوانب من اللاوعي في معرفتنا وإدراكنا للواقع"، ويؤكد أننا عندما ننقل المشاهد والأصوات الحقيقية فإن حواسنا "تنقلها بشكل من الأشكال من دنيا الواقع إلى دنيا العقل"، وهناك تتحول تلك المشاهد إلى وقائع نفسية "طبيعتها الحقيقية ما تزال مجهولة"، ويعزي ذلك إلى أن النفس تجهل المادة التي تتشكل منها. بهذا يقرر "يونغ" أن الرموز لها جانبها النفسي الغامض وأن ولادة هذه الرموز يبدأ من "الحلم الفردي" الذي يتحول إلى رموز إنسانية ويذكر كيف أصبح "حلم حزقيال" عملا رمزيا يظهر في كثير من النقوش يصور ثلاثية الأسد (مرقص)، الثور (لوقا) والعقاب (يوحنا) وهم ثلاثة من كتاب الأناجيل.

تقوم نظرية الرموز على "أن كل ما هو مادي ملموس مجهول دائما في بعض جوانبه"، ويبدو أن هذا الجانب الغامض المدهش من الرموز هو أحد محركات الحضارة الإنسانية. من يقرأ روايات "دان بروان"، خصوصا روايته "دافينشي كود"، يبدأ في تصور كيف يحيط الإنسان وجوده بغلاف من الرموز يفصله عن الآخرين، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، مع أن منشأ تلك الرموز هو "أحلام فردية"، التي يقول عنها "سيغموند فرويد" إن الأحلام ليست مسألة مصادفة، بل إنها مترابطة مع أفكار ومشكلات العقل الواعي"، وكأنه يقول إن الرموز الفنية بما في ذلك الرموز المعمارية هي تعبير عن ذلك الجانب المجهول في الصورة المادية المشاهدة، وأن هذا المجهول هو نتيجة لارتباط أحلام (الفنانين، داعمي الفنون، الحكام، والملاك) مع أفكار عاشها العقل الواعي لمن راودتهم تلك الأحلام. يبدو لي أن هذا التفسير يجعل من الفنون التي تتجسد داخلها الرموز حالة تربط الواقع بالحلم.

عادة ما تثار مسألة الرموز في العمارة في الحضارة الإسلامية، ويرى "أولج جربار" (وهو أحد أهم الباحثين في الفنون في الحضارة الإسلامية) أن هذه العمارة "قشرية"، أي أن الرموز لم تولد من رحم الجوهر الحضاري والديني الذي عادة ما يشكل العقل الواعي ويؤثر على اللاشعور ويدفعه إلى الأحلام التي تبتكر الرموز. ويرى أن ما يسمى رموزا في العمارة الإسلامية يمكن إلغاؤها أو تغييرها دون أن يؤثر ذلك على جوهر العمارة نفسها.. وذلك أن الإسلام كدين لم يكن ديناً رمزياً. على عكس "جربار" يرى عبدالوحد الوكيل أن "الرموز" هي أحد الأركان التي تميز العمارة في الحضارة الإسلامية وهي رموز مرتبط بالمعرفة الكونية "الكوزمولوجية"، وبالطبع لا يوجد هناك تحليل نفسي تفكيكي لتطور الرموز في الحضارة الإسلامية كما هو معمول في الغرب، كما أن الفنون في هذه الحضارة تبدو هندسية "جيومترية" حسابية أكثر بكثير من الإشارات الرمزية التي تتشابك فيها الأحلام بالواقع.

كثير من الحضارات القديمة استولدت الرموز الخاصة بها وحولتها إلى ممارسات في الواقع، ففي دراسة حول "فنج شو" Feng-Shui عند الصينين القدماء والـ "أناسازي" Anasazi عن السكان الأصليين في ولاية نيومكسيكو الأميركية تظهر هذه العلاقة بين الرموز غير المحسوسة وبين عالم الواقع المحسوس. "الفنج شو" هو مجموعة رموز مرتبطة بالطبيعة أثرت تأثيرا عميقا على تصميم المسكن في شنغهاي، بينما الـ"أناسازي" مرتبط ببداية شروق الشمس وتغير زواياها طوال العام. ولادة هذه الرموز لا بد أن تكون خليطا غامضا بين العقل الواعي واللاواعي، أنه يشبه حالة "الفصام" في الشخصية فالظاهر لا يعكس الباطن أبدا، بحيث يمارس الباطن قوته في توجه الظاهر وحياكته.

إذا ما اتفقنا أن ولادة الرموز مسألة ليست اعتباطية ولا متروكة للمصادفة بل هي مرتبطة بمشاكل العقل الواعي بشكل عميق لكنها تصبح رموزا عنما تصبح حلما يحولها من حالة المحسوس إلى عالم اللامحسوس، فهي واضحة في تفاصيلها وتكاد تكون شبه واقعية لكن ليس لها وجود مادي على أرض الواقع، لكنها تبدأ في التحول إلى أشكال مادية عبر تفسيرات الفنانين والمعماريين وتتغير تلك التفسيرات من جيل إلى آخر مع بقاء الجوهر الأصلي عند ولادة تلك الرموز، كما هو حاصل الآن مع الـ"فنج شو" الذي يؤثر على الحركة العقارية في سنغافورة وهونج كونج لأن الناس ما زالت تؤمن بتلك الرموز وإن كان الفضاء المادي تغير كليا، الرموز لها لحظة ولادة لكنها ليس لها وقت للموت.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.