.
.
.
.

لعبة الكلمات المتقاطعة

زياد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

يُقال في المثل الشائع: "لا تضع العربة قبل الحصان"، والمثل يستخدم لأهمية وضع الشيء في موضعه، وفي حالة العربة والحصان، فالترتيب يحدد من يقود من، فالحصان يقود العربة لا العكس.

وإذا أردت العناية بالترتيب في شؤون أخرى ستحتاج إلى المعرفة والفهم بطبيعة الموضوع، من أين تبدأ وكيف تنتهي؟ ومن حديث المقال السابق عن الحشو الذي تمتلئ به بعض المؤسسات، فإن لدى متخذ القرار مهمة البحث عن مواطن الحشو لإزالتها. ولأن المؤسسة عادة مركبة كبيرة صعبة تشبه وصف مالك بن الريب لنفسه (صعبا قيادي)، فلا بد من مراعاة الترتيب، فإذا أراد متخذ القرار أن يزيل الحشو فمن أين يبدأ؟

في المقال السابق عرضت لغلط يرتكب عادة بفهم المؤسسة بدءا من هيكلتها، مشكلة الهيكلة أنها تصور المؤسسة جزئيا، وإن كانت صورة أساسية ضمن صور أخرى. والحشو الذي يبحث عنه متخذ القرار هو الجزء الذي لا تتأثر المؤسسة بفقده، بل ربما تتعافى بإزالته. ولأن أكثرنا يسهل عليه تصور الأشياء بصريا، فلا بد من دعم متخذ القرار بنماذج بصرية تعين على فهم المؤسسة من عدة زوايا. إذا مثلنا المؤسسة بالبيت سنجد أن مخطط واجهات البيت كاف لفهم التصميم من الخارج إنما لا يكفي لفهمه من الداخل. وإذا نظرت إلى مخطط البيت من الداخل، فإنه كاف لفهم توزيع المساحات لكن تنقصه البنية التحتية من توزيع الإضاءة والهاتف والانترنت.. إلخ، والأمر نفسه في المؤسسة، فإذا نظرت إلى الهيكلة فكأنك تنظر إلى التخطيط المساحي للمؤسسة، إنما السؤال الأول الذي يجب أن يبدأ متخذ القرار به هو: لماذا هذه الهيكلة دون غيرها؟

إذا أردنا أن نعرف الترتيب اللازم لفهم المؤسسة، فعلى متخذ القرار أن يبدأ من الاستراتيجية، فكما يقال إن العربة تتبع الحصان، فالاستراتيجية هي حصان المؤسسة والهيكلة عربتها، إذا وضعت يدك على استراتيجية جيدة فستقدر على الإمساك بزمام الأمور، فكل قرار تتخذه له مرجعية نابعة من الاستراتيجية. إنما إذا لم تجد استراتيجية واضحة فسترغم على لعبة الكلمات المتقاطعة، ولتجمع القطع المتناثرة من صورة المؤسسة عليك أن تبحث عن ثلاثة عناصر إضافية على الأقل: وصف العمليات، المكافآت، وسيرة العاملين.

كما يضع رئيس الطهاة عناصر الطبخة على الطاولة، عليك أن تفكك المؤسسة إلى عناصرها الأساسية وتضعها على مائدة البحث، ستدرس العمليات لتفهم من يعمل ماذا وكيف؟ وستدرس سيَر العاملين لتعرف مكانهم في الهيكل الإداري وكم يكلفون؟ وبحثا عن الاستراتيجية، ستجد عناصرها قد رسمت مناطق تركيز في الهيكلة بناء على حجم الموارد المالية والبشرية وحجم المسؤوليات، وبتوزيع الموارد المتمثلة في مكافآت العاملين والإنفاق على البنية التحتية وعدد العاملين ومسؤولياتهم يمكن أن تتضح ملامح الاستراتيجية تدريجيا. عندما تتضح مناطق التركيز ستظهر لك أنماط من القرارات التي اتخذت سابقا، لعلنا نستعرضها في المقال القادم.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.