.
.
.
.

الدهشة والشغف ورؤية 2030

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

الدهشة كمصطلح فلسفي ليست مجرد تعجب أو انبهار فحسب، وإنما هي قلق دائم إزاء ما يقدمه المبدع من جديد لم يتأتَ بعد، وهي قلق محموم بالمعرفة تنطلق من الصانع أو المبتكر والمبدع، لكنها سرعان ما تتحول إلى دهشة مشتركة بين عامة الناس إزاء هذا الصنع أو ذاك! ولذلك نجد أن الدهشة هي من صنعت أرسطوطاليس وسيجموند فرويد وهنري بيرجسون..

هل تأمّل أحدنا مفهوم مصطلح الدهشة؟! وهل باتت ضرورة حتمية في حياتنا اليوم وفي تقلبات العالم الجديد؟! وهل كان مفهوم الدهشة يحمل في معناه جسراً للمعرفة؟ وما علاقة الشغف بالدهشة؟ كيف تترابط هذه المفاهيم؟ إذا ما كان سعينا حديثاً نحو المعرفة والتقدم والنجاح بل إلى حد الابتكار والدهشة!

كنا ونحن طلاب نتعلم أن اللبنة الأولى للإبداع هيالدهشة والشغف، وكنا نتساءل ما الدهشة وما الشغف، وكيف يمكن الوصول إليهما لأنهما -بطبيعة الحال- نبرة من نبرات الإبداع للموهوب بها وليست على قارعة الطريق!

إن ما تحمله الدولة الآن من تطور وابتكار وإعادة بناء، جعلنا نرجع إلى هذا المصطلح الفلسفي، الذي هو الوعاء الأول للبنات التفكير الناقد، والمنتج للابتكار والتجديد؛ ولذا أصبح الأمر يحتاج إلى مبدعين حقيقيين، بل إلى موهوبين يفكرون في استخلاص هذه الجوهرة الدفينة فينا، وهي (صناعة الدهشة)، إذ لم يعد لصناع التقدم والبناء بداً عنها، فلم تتردَ أحوالنا من ذي قبل سوى بغيابها أو بعدم التفاني والتحفيز للوصول إليها، سواء كان ذلك على مستوى الدول أو الأفراد.!

والدهشة كما أسلفنا عمل إبداعي صعب ذلك لأنها تحتاج إلى موهبة ولابد أن تقترن بالشغف مستندة لإدارة واعية.

والدهشة كمصطلح فلسفي ليست مجرد تعجب أو انبهار فحسب، وإنما هي قلق دائم إزاء ما يقدمه المبدع من جديد لم يتأتَ بعد، وهي قلق محموم بالمعرفة تنطلق من الصانع أو المبتكر والمبدع، لكنها سرعان ما تتحول إلى دهشة مشتركة بين عامة الناس إزاء هذا الصنع أو ذاك! ولذلك نجد أن الدهشة هي من صنعت أرسطوطاليس وسيجموند فرويد وهنري بيرجسون وشكسبير والفلاسفة المسلمين وكل من عمل على تلك الاختراعات التي تقدم بها العالم. وبذلك تكون الدهشة هي الخطوة الأولى لبناء الحضارة والنهوض والتقدم بين الدول وبعضها، سواء كان ذلك على المستوى الفكري والأدبي أو على مستوى الابتكارات العلمية وإعمال العقل على كل المستويات الفنية والفكرية.

ولابد أن يرتبط مفهوم الدهشة بمفهوم الشغف، إذ إن ذلك الزائر الملِّح إلحاحاً شديداً على الذهنية، والذي يتحول بطبيعة الحال إلى مكمن اللاشعور فيما يسميه علماء النفس بمرحلة الاختمار، والتي تستمر تفاعلاتها في الذهن نوماً ويقظةً حتى نصل إلى مرحلة الاستبصار وهي تفتق مكامن الإبداع الباعث على الدهشة والشغف هو أحد أسباب النجاح والتفوق في مجالات العمل أيضاً. وإذا ما أحببنا أن نصير نحو التجديد والتفوق والسعادة والمتعة أيضاً فلابد من التوافق بين كل هذه العناصر.

يقول أحد الباحثين في هذا الصدد: "عندما يتوافق شغفك مع وظيفتك أو دراستك، لن تكون صعبة على الإطلاق، ولن تمانع أن تمضي عدداً من الساعات يفوق ما يمضيه الشخص الطبيعي، لأنك لن تشعر بمرور الوقت. وسيُظهر شغفك للعيان -وبشكل كامل- الفرق ما بين الوظيفة العادية والوظيفة المجزية المربحة والمنجزة. في حال لم تكن سعيداً في وظيفتك أو في تخصصك، فذاك لن يحول بينك وبين السعادة وحسب، بل إنك بهذه الطريقة تمنع نفسك من اكتشاف قدراتك الحقيقية".

ليس ذلك فحسب، بل إن الشغف بحسب رأي علماء الطاقة، يزيد من الطاقة الكامنة لتجاوز مختلف العقبات التي تواجهه، سواء كانت حقيقية على أرض الواقع أو هيمنة من صنع الخيال. وبالتالي فإن الشغف المؤدي إلى الدهشة، لابد أن يكون بجرأة وشجاعة وقد لا يخلو من المغامرة أحياناً للوصول إلى ذلك الذي لم يأتِ بعد ويجعل الأكف تلتهب بالتصفيق، لأنه بذلك دون غيره هو جل ما يبذله الشخص مستثمراً وقته وجهده إيماناً منه بأهمية هذا الفعل أو ذاك، وهو ما يساهم بدوره ليس في تطور النهضة بشكل عام فحسب، وإنما يتعدى إلى تشكيل الملامح الأساسية لهوية الإنسان، فهو لا يتوقف عند حدود الانخراط فيه بل يصبح جزءاً متأصلاً في هوية الإنسان وتاريخه وسبيلاً لتعريفه عن ذاته. وإذا ما أردنا تحقيق ذلك وهو إنتاج عمل مثير للدهشة ومشبع بالشغف، فلابد أن نغير طريقة المديرين في التعامل مع منتسبيهم، حيث يشير (هارفرد برس ريفو) -في محاضرة له حول هذا الشأن- إلى تعسف المديرين حتى يصبح العمل بارداً باهتاً لا روح فيه فيقول: "في الواقع لا يسعى الجميع إلى مهن رفيعة المستوى، ففي بحث أجرته (أيمي ويزن ويسكي) في جامعة يل، أن الموظفين يندرجون تحت 3 أنماط، البعض ينظر إليها أنها مجرد وظيفة والبعض الآخر إلى أنها مهنة، لكن هناك فئة تنظر لها على أنها رسالة، وهذه الفئة -ومن غير المفاجأ- هي التي تُظهر أدءاً عالياً وشعوراً أكبر بالرضا عن الوظيفة".

وبالتالي لابد أن نحدد ما الدوافع والمحفزات لعمل هادف من قِبل المديرين أنفسهم، حيث أثبت علماء السلوك التنظيمي (جاستن بيرج) و(جين دوتن واين) و(إيمي ويرزون نسكي) بأن الناس يكونون واسعي الخيال وفعالين قادرين على إعادة تصميم وتفعيل خيالهم، لكن آفة الخيال هو التأطير أو التعسف!

ولذا على وجب على المديرين البحث في مكامن منتسبيهم، والاستفادة من خيالهم، حتى وإن لم يكن ذلك في صميم عملهم، كما يجب أن نشبع شغفنا حتى لو كان خارج إطار الوظيفة. ومن هنا يمكن إضافة قيمة كبيرة لهذا العمل أو ذاك، لكي نعلن عن ذواتنا وقدراتنا الكامنة، ونحدث تغيراً حقيقياً، نظراً لما يتطلبه تطور الدولة نفسها ولما تتطلبه رؤية 2030.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.