.
.
.
.

التعليم الجيد قاطرة التقدم

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

جميع التغييرات الكبيرة على مستوى دول العالم تبدأ من التعليم وبدعم وتوجيه من القيادة العليا، وها هي اليوم قيادة المملكة تستشعر ذلك وتعطي الضوء الأخضر لتنفيذ كل ما يتطلبه التعليم من تطوير لكل مناهجه ومراحله المختلفة، وبعض هذه التغييرات أعلنت، وبعضها في الطريق إلى الإعلان بعد اكتمال دراستها..

حزمت القيادة أمرها وقررت أن تسير بالوطن إلى مصاف الدول المتقدمة، أطلقت الرؤية بكل ما فيها من برامج وأهداف كبيرة، كافحت الفساد وطبقت القول المشهور: "كائن من كان"، عدّلت الكثير من الأنظمة لتواكب المتغيرات المتسارعة في عجلة الإصلاح، ومكنت للمرأة حقوقها، وركزت على التغيير الثقافي في المجتمع فحاربت التطرف والغلو، ووجدت أن من أسبابهما أدلجة الدين لخدمة أهداف سياسية، ولأن التعليم هو أساس برمجة العقول في سنّ مبكرة، فقد استهدفه المؤدلجون ومنذ ستينات القرن الماضي ليكون مجالاً لتنفيذ أجندتهم، التحق الكثير منهم في حقل التعليم فعدّلت المناهج وأضيف إليها الكثير من الأهداف لخدمة أجندات معروفة لا تصب في مصلحة الوطن ووحدته وكيانه ومصلحة أفراد مجتمعه، فالمؤدلج غالباً يبقى مؤدلجاً إلا القلة المفكرة والتي تخرج عن النسق وتفكر بموضوعية، وتمتلك فكراً ناقداً يراجع ما تشبع به من مسلمات وما استوطن عقله من أفكار، عمل أكثر الوافدين معلمين في المعاهد العلمية ومنها كليتي اللغة العربية والشريعة ثم بقية المدارس والجامعات، غيروا الكثير من المفاهيم التي أنتجت ما أطلقوا عليه الصحوة، وقد جرت فيما بعد محاولات كثيرة لتعديل المناهج إلا أنها وجدت مقاومة شديدة من داخل الوزارة وخارجها.

جميع التغييرات الكبيرة على مستوى دول العالم تبدأ من التعليم وبدعم وتوجيه من القيادة العليا، وها هي اليوم قيادة المملكة تستشعر ذلك وتعطي الضوء الأخضر لتنفيذ كل ما يتطلبه التعليم من تطوير لكل مناهجه ومراحله المختلفة، وبعض هذه التغييرات أعلنت، وبعضها في الطريق إلى الإعلان بعد اكتمال دراستها، ومن هذه التعديلات ما يلي:

أولاً: مراجعة السياسة العامة للتعليم وأهدافه، مع التركيز على المنتج النهائي وهو تخريج مواطن يمتلك المعرفة والمهارة والقيم النبيلة، مواطن معتز بدينه ومحب لوطنه ولديه ولاء لهذا الكيان الذي يقود دفة الإصلاح والتقدم، تعليم يؤهل الطالب ليدخل سوق العمل بثقة ومعرفة، سواء بعد المرحلة الثانوية أو الجامعية، تعليم يزود الطالب بوعي كامل بأهمية الصحة والبيئة ومهارات التواصل الاجتماعي ويواكب التقدم السريع في التقنية ليصبح طالب علم على الدوام، لقد أفرز التعليم في السابق بطالة بين الشباب المتعلم بسبب تركيز الجامعات على تخصصات أدبية وعلوم إنسانية لا يمكن استيعابها بهذه الأعداد الكبيرة، أما كليات التقنية فقد ركزت على التدريس النظري وخلت معاملها من التطبيق العملي إلا ما ندر.

ثانياً: دول العالم في سباق محموم للفوز بالمراكز الأولى في الرياضيات والعلوم والتي هي الأساس في امتلاك التقنية والداعم الأول لاقتصاد القرن الواحد والعشرين، وهي البديل للثروة الناضبة، وقد أظهرت المسابقات الدولية تدني نتائج طلبة المملكة مقارنة بالدول المتقدمة، ما يدل على خلل في تدريس المواد ووزن كل منها، وهو ما يحتم إعادة النظر في كل المواد لتعطى كل مادة ما تستحقه من اهتمام، ولتصبح المناهج مكملة لبعضها بدلاً من جعلها جزراً متباعدة لا رابط بينها، فالقراءة والكتابة على سبيل المثال يمكن أن تمارس في معظم المواد، فالإتقان يأتي من التطبيق والممارسة وليس من التلقين الذي يهدف للنجاح والحصول على الشهادة وكأنها غاية التعليم وهدفه.

ثالثاً: المملكة من أقل دول العالم في عدد أسابيع الدراسة، وهذا له انعكاسات سلبية على تحصيل الطالب، فزيادة عدد أيام الدراسة تتيح وقتاً أكثر في كل عام مما يسمح للطالب بالتخرج في سنوات أقل والالتحاق بسوق العمل في وقت مبكر، ما يزيد من فرص إتقانه المهنة التي تخصص فيها، خصوصاً حين تطبق التلمذة على رأس العمل وهي أفضل وسيلة لتطبيق التدريب العميق الذي ينتج مهنيين مهرة كل في مجاله، وقد يكون سبب إلغاء السنة التحضيرية في الجامعات اختصار الوقت وعدم وجود الحاجة إليها لأن ما يدرس بها ستتم تغطيته في المدارس الثانوية، إضافة إلى أن اللغة الإنجليزية ستدرس من السنة الأولى الابتدائية.

رابعاً: التعليم يخلق المزيد من الوظائف، ومنها تخريج قادة حالمين ومبدعين ينشئون أعمالهم الخاصة، كما تستفيد السياحة الداخلية من وجود إجازات كثيرة بين الفصول الثلاثة، أو بسبب ما ترتب له المدارس من رحلات لمختلف مناطق المملكة ليكون جزءاً من الأنشطة اللاصفية كالكشافة والرحلات المدرسية التي هدفها تعويد الطالب على القيادة والسلامة وحماية البيئة والتعرف على مختلف مناطق بلده.

التعليم ليس الهدف منه نيل الشهادة بقدر ما هو بناء شخصية قيادية مفكرة تتمتع بالصحة البدنية والنفسية، التعليم يزرع قيماً وعادات جميلة ويكافح عادات مضرة في وقت مبكر، التعليم المميز هو ما سيصنع الفرق الكبير لمستقبل المملكة وبقية دول المنطقة.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة