الجهل

هناء حجازي
هناء حجازي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

صدرت رواية الجهل للكاتب التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا في العام 2000. قرأتها بترجمة رفعت عطفة الصادرة عن دار ورد. تتحدث الرواية عن الحنين والذكريات والهجرة والناس في الوطن المهجور. ميلان كونديرا يضع الكثير من نفسه في هذه الرواية، حيث هو المهاجر من عام 1975، ترك وطنه ورحل إلى فرنسا. وهذه الرواية تقول الكثير عن أسباب الرحيل كما تقول كيف هو الشعور عند العودة، حتى لو للزيارة.

الرواية تتحدث عن إرنا التي غادرت التشيك منذ عشرين عاماً، لكن بمجرد تحرر البلد من الشيوعية، توقع الجميع منها العودة إلى موطنها الأصلي. كأنهم يطلبون منها أن تلغي عشرين عاماً من حياتها.

الشخصية الأخرى هي جوزيف. الذي هاجر أيضاً من التشيك إلى الدنمارك وقرر العودة للزيارة حاملاً معه ذكريات زوجته المتوفاة والتي يشعر أنها حتى بعد وفاتها أقرب وأهم لديه من وطنه القديم.

لم يكن الرحيل بالنسبة للاثنين مقتصراً على الهرب من الشيوعية، كان لديهم أسباب أخرى، أم متسلطة عند إرنا، وعائلة لم يكن جوزيف يحمل لها الحب الكافي كي يبقى. أراد أن يرحل لأنه يستطيع، ولأن له حياة واحدة لا يريد أن يكملها في هذا المكان.

تصور الرواية بطريقة عجيبة شعور الاثنين، عند العودة. الغربة التي يشعر بها المهاجر عند عودته، حياته ليست هنا، حياته في مكان آخر، حتى اللغة، يسمع جوزيف لغة غريبة، لغة أجنبية، على الرغم من أنه يفهم كل كلماتها.

إرنا تريد أن تحكي لصديقاتها عن حياتها في فرنسا، لكنهم لا يسألونها ويبدو جلياً أنهم لا يريدون أن يسمعوا شيئاً عن حياتها في الغربة. هي الابنة الضالة التي عليها أن تكفر عن خطيئتها بالانغماس الكامل معهم وعليها أن تنسى تماماً أي عادات جديدة اكتسبتها خلال عشرين عاماً. وهذا ما يرسخ لديها الشعور أن حياتها ليست معهم، حياتها هي العشرين عاماً التي قضتها بعيداً عنهم. ما يزيد الأمر تعقيداً، أن أصدقاء إرنا في فرنسا أيضاً تغيروا، ما جعلها تكتشف أنهم أصدقاءها ليس لشخصها بل لأنها المهاجرة من بلد شيوعي، وبما أن الشيوعية انتهت، انتهى التعاطف وربما الصداقة أيضاً.

مع جوزيف تطرح الرواية موضوع الذاكرة، ما تبقي وما تقرر محوه، يجد دفتر مذكرات كتبه أيام المراهقة، يكتشف كم كان سخيفاً ووغداً، وكيف هي يومياته مليئة بأحداث نسيها تماماً، أحداث غير مهمة وطريقة تفكير شنيعة وبائسة، وجوزيف لا يتذكر هذا الولد الذي كانه، يخجل منه ويربكه أنه كان يتصرف بهذه الطريقة.

يتخلل الرواية فصول بعيدة عن الحكاية، كأنها تشرح معنى الحكاية، من خلال قصة رحيل عوليس في ملحمة الأوديسة الخالدة. بالإضافة إلى معلومات تاريخية عن الشيوعية والغزو الروسي للبلدان المحيطة والتفاعل الأوروبي مع المهاجرين.

رواية مليئة بكل شيء. فلسفة، تاريخ وغوص في أعماق النفس البشرية، إشارات، إشارات كثيفة، قد تنتهي من القراءة وأنت لست على يقين بأنك أدركت كامل المغزى، لكنك تنتهي من القراءة بالكثير من المتعة. والأسئلة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.