.
.
.
.

ما الجديد؟

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

هذا هو السؤال المنطقي الذي تلوكه الألسن في كل الأصعدة، في التجارات وفي الصناعات، وفي السياسات أيضًا، وفي الفن كذلك، وفيما يطرح في الأسواق من جديد العقل البشري من تكنولوجيا وأجهزة حديثة، وتجد الناس يتسابقون لاقتناء الجديد، وسماعه وتقليده، وأحيانًا ادعائه ولا وجود له عند المدعي!

وقد تجد الشيء قديمًا ولكن يدخله التجديد في كثير من تفاصيل تكوينه تمشيًا مع جديد العقل وحاجة العصر من التقنية، ويتفنن الناس في الاعتزاز بماضي منتوجاتهم وإبداعاتهم وفنونهم، ويظهرون المحافظة على عتاقة ما يبدعون، بل يجعلون أعمالهم ومبتكراتهم مميزة بشعاراتها، ومحمية من الانتحال والتقليد، ولا يخفى ما يحصل في ذلك من منازعات وخصومات وغرامات مالية على مستوى العالم، كل ذلك يبرر ويحث الناس على أن يسألوا.. "ما الجديد؟".

وهو سؤالٌ منطقي ومعقول في كل ما ذكر، ولكن هناك مجال وحيّز كبير من حياة الناس، بل الأساس في الحياة ومن الحياة وهو "دين الله" فهل يحق لنا أن نطرح هذا السؤال ونقول "ما الجديد؟"

يطرح هذا السؤال كثير من الناس في كثير من مواضع إبلاغ دينهم، في المحاضرات وفي الدروس وفي الخطب وفي الوعظ حتى في "تلاوات القراء"، وكذلك إن صح القول حتى في "أشكال الأشخاص" وملابسهم ، يسألون "ما الجديد؟"

لقد أنزل الله القرآن الكريم وجعله خاتم الكتب السماوية والرسالات الإلهية، وأودع فيه من الحكم والقصص والمواعظ والآيات ما يبهر العقول ويسكن القلوب، وجعله متجددًا في مشاعر وأحاسيس الناس دون التعرض لزيادة في حروفه ولا لتغيير في كلماته، فلا يخلق عن كثرة الردّ، فيقرأه المسلم مرات ومرات، ويعيده كرات وكرات، فلا يمله، ولكنه يتلذذ بتلاوته وكأنه يقرأه للمرة الأولى! هذا التجدد في القرآن آية من آيات الله التي تدل على عظمة المتكلم به "سبحانه".

إنا نجد كثيرًا وكثيرًا من الكلام الذي اعتنى به أصحابه ودارت عليه أحوال وهم ينقحونه ويعدلونه ثم يخرجون به على الناس فيتلذذ الناس بسماعه للوهلة الأولى، وأعجب الناس ببعض القصائد وسميت بالمعلقات، ومع بديعها وجميل نظمها فإنك تجد قارئها لا يكاد يكملها كما بدأها، وربما قرأ البيت الأول منها بتمعن وتلهف فإذا به يمر على كثير من أبياتها بلحظ عينه، فضلًا عن أن يعيدها مرة ثانية وثالثة!

وللناس أن تسأل في هذا الجانب من الفن "ما الجديد؟" فقد أتى الشعراء وتتابع المؤلفون والقصاص بجديدهم وإبداعاتهم، ولكن هذا السؤال لا يتطرق إلى "أحسن الحديث" و"خير الكلام"، فهو المورد العذب الذي تزيد عذوبته كلما أكثرت من الشرب من منّه، وبه من الحقائق والمواعظ ما تعظ به العقول وتصلح به الأفكار مهما عظم جديدها وأبهر إبداعها، فليس هناك جديد في دين الله لا في قرآنه ولا في سنة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم -، فالقرآن هو القرآن، والحديث هو الحديث، والسنة هي السنة، وفي كل يوم مطلوب منك أن تقرأ من القرآن سورًا وآيات في صلواتك، تقرأها كما تعلمتها وكما تسمعها كل يوم، وإدخال أي جديد عليها يفقدك صحة ما تفعله، بل قد يفقدك إسلامك!

لك أن تسأل ما الجديد من أساليب الخطباء؟ ما الجديد من تلاوات القراء؟ ما الجديد من إبداعات الفقهاء، في حسن عرضهم وطرحهم مسائل الفقه؟، وإن من نعمة الله على العبد أن يهبه أسلوبًا مميزًا لإبلاغ هذا الدين وعرضه على العالم بسماحته وعدله ورحمته.

ومن رحمته جل في علاه أن أكثر وسائل الإبلاغ تقبل التجديد بما يناسب تجددات الأزمنة والأمكنة، وبما يوافق تطور ابتكارات العقل، غير أن كثيرًا من الناس من المشايخ والدعاة والوعاظ أيضًا من لم يفرقوا بين ما هو دين لا يقبل التجديد وبين أساليب إبلاغه وعرضه على الناس، فالدين لا جديد فيه، ولكن الجديد في وسائل عرضه، وطرق إيصاله، وحسن تبليغه.. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.