.
.
.
.

الغرباء حقيقةً

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

في آداب الفتوى للنووي - رحمه الله - قول سفيان الثوري: "إنَّما العلمُ عندنا الرُّخصةُ مِن ثِقَةٍ، فأما التشديدُ فيُحسِنُه كُلُّ أحدٍ"، وكأنه - رحمه الله - يشير إلى مسألة عظيمة في باب السلوك، وهي ما أشار إليها نبينا - صلى الله عليه وآله وسـلم - بقوله: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء"، ولا شك أن سفيان - رحمه الله - لا يعني أهل عصره، فقد كانت تلك العصور تعج بالعلماء والمحدثين وطلبة العلم والصالحين، وأراد بذلك نتوءات أفراد قد تظهر هنا أوهناك في زمنه، ولكنه أصّل بهذه المقالة واختصر السلوك الذي قد يصبح غريبًا يومًا ما.

تلك هي الغربة الحقيقة التي تكاد تشبه القبض على الجمر، وذلك حين الوقوف بين نقيضين من المجتمعات، وكلهم تجمعهم الأهواء.

أما النقيض الأول، فهم أولئك الذين يغالبون الدين ويتتبعون أشد ما قيل في الفقه والآراء، ويجمعونها لتكون مذهبًا يفرضونه على العباد، ويصفونه بالحق الذي لا يسع أحد مخالفته، ويعتقدون أنهم هم الغرباء لشدة ما يعانونه من التوغل في الدين، ولما يجدونه من بأس النقيض الآخر الذي يرى فيهم البؤس والشدة والانطواء باسم الغربة في الدين، ومفارقة المجتمعات ومجانبة ما أنتجه العقل البشري من علوم وتقنية، وليس ذلك النهج بغربة، وكيف يكون غربة وأنت ترفل بما تشتهيه وتطبق ما تريده من رأي وتُعان عليه من طوائف كثيرة تحت مسميات كثيرة، بل ربما وجدت على شاكلتك أممًا ومدنًا ومجتمعات ومشايخ وعلماء وطلبة علم وغيرهم، فأين هي الغربة منك؟!

وفي الطرف الآخر، يقف المتنصلون عن سلوك أدبيات الشريعة جملة وتفصيلاً، المفرطون بأحكامها، المعاندون لتعاليمها، وهؤلاء قد لا يكونون في بلدان المسلمين إلا أفرادًا وغوغاء، أو جمعا لا يحومون حول "الغربة ولا التدين" من قريب ولا من بعيد، إذن فأين الغرباء؟

الغرباء هم أولئك الذين وقفوا بسلوكهم وفقههم بين هؤلاء وأولئك، فهم في نظر المتشددين والمتعصبين "مميعون ومنسلخون"، وهم أيضا لم يسلموا من ألسنة النقيض الآخر، فهم في نظرهم كذلك متشددون ومتدينون، فلا هم مرحبٌ بهم بين المتشددين والمتنطعين، ولا هم سلموا من ألسنة المتكلمين والمتجرئين، هؤلاء هم الغرباء.

في الموافقات للشاطبي: "المفتي البالِغُ ذِروةَ الدَّرَجةِ هو الذي يحمِلُ النَّاسَ على المعهود الوَسَط فيما يليق بالجمهورِ، فلا يذهَبُ بهم مَذهَبَ الشِّدَّة، ولا يميلُ إلى طَرَف الانحلال، والدليلُ على صحة هذا أنَّه الصِّراط المستقيم الذي جاءت به الشَّريعةُ؛ فإنَّه قد مَرَّ أن مقصَدَ الشَّارع من المكَلَّف الحَملُ على التوسط من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، فإذا خرج عن ذلك في المستَفْتِين خرج عن قَصْدِ الشارع؛ ولذلك كان ما خرج عن المذهَبِ الوَسَطِ مذمومًا عند العلماء الرَّاسخين".

ومما يضحك أنك تجد من هؤلاء من يرفع عقيرته باتباع الأئمة، فتعرض عليه بعض ترخصاتهم وتيسيراتهم وسلوكياتهم، فيشهر حدّ لسانه بوصفها "زلة عالم"، أو قال لك محذرا: "من تتبع رخص العلماء تزندق"! ولو أن إمامًا ممن ينسبون إليه تلك الزلات ولا يعترفون بسلوكه الفقهي فيها، لو أنه بين أظهرنا لكان له معهم موقفا يعرفون به قدرهم، ويظهر به جهلهم، ولما استطاعوا أن يقفوا في وجهه ولو للحظة، إلا أنهم مع كتبهم يتجاوزون كتبًا وفصولاً وتقريرات واستدلالات، بل ومجلدات يقرر ذلك الفقه والمذاهب التي أشار إليها الشاطبي بقوله: "المذهب الوسط".

فكل ما يخالف التشدد والمغالاة هو زلة عالم عند المتشددين، وكل ما يزهد وينظم ويؤدب الهوى والشهوات، هو تزمت وتخلف عند نقيضهم من الغافلين، ودين الله بين هؤلاء وهؤلاء، "لا إفراط ولا تفريط"، ولعمر الله تلك هي الغربة.. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.