.
.
.
.

الفيلسوف عند مؤسس الفلسفة

إبراهيم المطرودي

نشر في: آخر تحديث:

العودة للأصول فرض على كل باحث، همّه معرفة قيمة الحال وإدراك ثمن البدايات، فكثير من الناس يظنّ أنّ ما يعرفه، وأَوْقفه أهلُ زمنه عليه، لم يخطر قبل ألفي سنة على بال أحد، ولم يدُر بخلد بشر، وهو لو عاد أدراجه للماضي البعيد، وفتّش ما تركه الذين كانوا قبله؛ لوجد ذلك أو قريبا منه، ولَعاد من رحلته مُوقنا أنّ كثيرا مما يُقلقه، ويُثير ذهنه، قد سبقه إليه غيره، وأراحه من جهته، ومن تلك القضايا مفهوم الفيلسوف وصورته التي ينبغي أن يكون عليها، وأول مَنْ يُسأل عنه الأستاذ سقراط وتلميذه الراوي عنه.

يقول بارتلمي سانتهلير (ت: 1895م) في مقدمة ضافية عن الفلسفة، صُدّر بها كتاب أرسطو (الكون والفساد) عن سقراط: "وقد أمكن القول، لا من غير حق، إنّ الفلسفة وُلدت مع سقراط، والواقع أنّ لهذا الرجل العجيب من المقام ما يسمح بأن يُسند إليه هذا الشرف العالي، وأنْ يُقرن اسمه بهذه الحادثة الكبرى". وغرضي من إيراد هذا التقريظ أن يُفطن إلى أنّ هذه المقالة في تناول فكرة الفيلسوف راجعة إلى هذا المؤسس الممدوح، ومبنية على ما وصلنا منه؛ إنْ كان قد جاء إلينا بعد هذه القرون كما أراده وابتغى إيصاله، وإنْ كنتُ في حديثي حوله قد أحسنتُ النقل عنه، وفهمتُ المعنى منه، مع ما يعرض لي، ويعرض للنص المنقول عنه من تغيّرات تقدّم القول عنها في المقال السابق، ومع ما جدّ في القضية، وهو أنّ نسختي المترجمة من الجمهورية، ونقولي هنا كلها عنها، تختلف اختلافا غير قليل عن النسخة الإنجليزية التي يقرأ فيها بعض مَنْ أعرف.

وقبل الخوض في الحديث عن صورة الفيلسوف يجدر بي لفتُ القراء إلى أمرين، أراهما ضروريين، أولهما: أنّني لا أقصد أنّ هذا المفهوم الذي يُقدّمه سقراط نهائي وليس بعده قول، فحسبي فقط أن أعرضه، وأنقل قوله فيه، وثانيهما: أنّني أرى قوله صالحا أنْ يكون معيارا لكل إنسان يظن نفسه فيلسوفا، فيختبرها بما ذكره الأستاذ، ويعرضها عليه، فإنْ وجد نفسه كما قال؛ فهو فيلسوف، وإلّا فليبحث لها عن صفة أخرى، يُطلقها عليها.

يذهب سقراط أولا إلى أن الفيلسوف عاشق للمعرفة وهائم فيها، ويرى أنّ الناس ينبغي عليهم أن يُراعوا ذلك فيه، ويحكموا عليه به، وفي هذا يقول: "إذا كان المرء ميالا إلى تذوق كل المعارف، وكان عكوفا على اكتساب العلم، نَهِما إلى الاطلاع، ففي هذه الحالة وحدها يحق لنا أن نُسميه فيلسوفا".

ويجعل الصفة الثانية له الوعيَ بما وراء الظاهر، والانتهاء إلى الأبديّ الذي لا يتغيّر، وفي هذا يقول عن الفلاسفة: "أولئك الذين يتسنى لهم أن يرقوا إلى الجميل في ذاته، وأن يتأملوا ماهيته" ويقول أيضا: "الفلاسفة هم القادرون على إدراك الأبدي غير المتغيّر، ولما كان العاجزون عن إدراكه تائهين في بيداء التغير وتعدد الصور فليسوا فلاسفة" فهم الذين يعرفون العلل الأولى، ويغوصون إلى المبادئ الأساسية، وغيرهم يعرف ما نشأ عنها وخرج منها.

والسمة الثالثة للفيلسوف عنده السعي الدائم وراء الحقيقة، والاستعداد لها بكل قوة ممكنة، وفي هذه الصفة يقول: "لا بدّ أن يسعى مَنْ يُحب العلم بحقٍ إلى الحقيقة طوال حياته، وبكل ما أُوتي من قوة"، فليس هناك غاية ينتهي إليها الفيلسوف ومحطة يقف عندها، إنّ حياته كلها جهاد وراء الحقيقة، ومطالبة بها.

والأمر الرابع الذي على الحكيم أن يتحلّى به عند سقراط هو "الصدق ومحبة الحق وكراهية الزيف وعدم قبول الكذب في أيّة صورة من صوره" وهذا معناه أنّ الفيلسوف ليس باحثا في المعرفة دارسا لها فقط، بل هو نموذج يُقتدى به في الأخلاق.

والخلق الخامس الذي على الفيلسوف أن يتصف به هو عدم الجبن وعدم الوضاعة، وفيه يقول سقراط: "من كان بطبيعته جبانا وضيعا، لا يستطيع أن يُسهم في الفلسفة الحقة بنصيب" والفلسفة بما هي بحثٌ دائم عن الحقيقة، لا معنى لها دون الشجاعة والمواجهة.

والطبيعة السادسة التي ينتظرها سقراط من الفيلسوف هي "اتصاف المرء منذ حداثته بصفات النزاهة والرقة وحسن المعاملة".

ويُلخص بعضها مرة أخرى، مُضيفا إليها سرعة التعلم وقوة الذاكرة: " فأنت تذكر بلا شك أن هذه الطبيعة تستتبع الشجاعة وكبر النفس وسرعة التعلم وقوة الذاكرة".

والذي أحب أن ألمح إليه بعد هذا الحديث أمور ثلاثة:

الأول: أن يقيس كل مُنتمٍ للفلسفة نفسه حسب ما ذكره الأستاذ، وأقره تلميذه عليه، ويرى بعد ذلك في نفسه ما رأياه فيها.

والثاني وهو الأهم: أن الفيلسوف الذي هذه صفته، لا ينبغي للمسلم أن يخاف منه، ويتوجّس من قِبَله!

والثالث: أنّ الفلسفة ما هي سوى جِماع صفات الفيلسوف، فكيف يُحرّمها الدين وينهى عنها رجاله؟!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.