.
.
.
.

هل التفكير الناقد آلة يمكن توجيهها؟!

محسن علي السهيمي

نشر في: آخر تحديث:

جاء قرار وزارة التعليم باعتماد تدريس مقرر (التفكير الناقد) في المرحلتين المتوسطة والثانوية ليحظى بالرضا والتأييد، خصوصًا من قِبل المهتمين بالفلسفة ومهارات التفكير والمهتمين بسلامة أفكار الشباب الذين يدلفون إلى المدارس بعقول بيضاء تتقبل الأفكار المُدخلة إليها بكل بساطة دون أن يكون لديها فلاتر ناقدة تتأكد من سلامة تلك الأفكار وصلاحيتها، وقد تبدَّتْ حالة الرضا تلك عبر كتابات المهتمين ولقاءاتهم التي أكدوا فيها على أن التفكير الناقد ضرورة طال انتظارها. في هذا الشأن كتبتُ -قبل حوالي ثلاث سنوات- مقالاً في مجلة اليمامة بعنوان (الفلسفة.. تساؤلات ما بعد الإقرار) وفيه طرحت عدة تساؤلات على شاكلة: ما المؤهلات المعرفية لمُعدِّي محتوى مقرر التفكير الناقد؟ وما هي طبيعة المحتوى؟ وبأي طريقة سيقدَّم؟ وما هي الإمكانات المطلوب توافرها عند مقدميه؟ وكيف نقيِّم مستوى المتعلم؟ وعلى هذا فالجميع متوافقون على وجاهة القرار وحاجة المرحلة الزمنية له، لكن الأمر الذي أربك المتابعِين للقرار هو حالة (الاختزال) التي تعامل بها بعض المؤيدِين للقرار مع مخرجاته المأمولة منه. ولتوضيح الأمر فطالب التعليم العام يتدفق على ذهنه يوميًّا كم هائل من (الأفكار المغلوطة والمضلِّلة) سواء من وسائل التواصل أو وسائل الإعلام أو حتى من قِبل بعض المعلمِين، ويواجه أمورًا حياتية تدعو للحيرة والتساؤل، وعلى هذا فمهمة التفكير الناقد هي إكساب الطالب مهارة التدقيق في هذه الأفكار ومصداقيتها وصوابيتها وتفكيك عُقد تلك الأمور، كذلك من مهمات التفكير الناقد إكساب الطالب مهارة طرح السؤال بكل شجاعة حول أي قضية يراها تخالف المنطق، وجعله لا يقبل مباشرة بكل ما يتلقاه مقروءًا أو مسموعًا، وجعله لا يقبل بالمعلومة إلا بعد تقليبها على أوجهها المحتملة كافة، ويكسبه الحياد والإنصاف والموضوعية وغيرها من المهارات المرغوبة.

إذا ما اتفقنا على كم الفوائد المتوخاة من تدريس التفكير الناقد فإننا سنكون بهذا قد صادقْنا على أن التفكير الناقد لا تؤخذ فوائده بالتجزئة، ولا يُمكن تحييد مخرجاته أو توجيهها أو حجب بعضها والسماح للبعض الآخر؛ فنحن أمام حالة ذهنية واعية لا تعرف التلون ولا تقبل المداهنة والانحياز، بالتالي فإن هذه الذهنية وبعد وصولها لحالة الصقل والاستواء ستشتغل على الاتجاهات كافة وليس بإمكان القائم على صقلها أن يعمل على توظيفها في ناحية على حساب نواحٍ أخرى.

أمَا وقد تقرر لدينا أن هذه الذهنية ذهنية شمولية في أحكامها وقراراتها، بالتالي فهي ستكون أمام كم وافر من الأفكار والأمور المغلوطة في الواقع المعيش، فهنا يأتي دورها في عدم القبول بهذه الأفكار والأمور وستعمل على مصادرتها وتصحيح ما يقبل التصحيح منها، وهذا يقودنا لمسألة (الاختزال) الذي عنيتُه؛ ذلك عندما يأتي البعض وقد أغمض عينًا وفتح نصف الأخرى وهو يتكلم عن فوائد التفكير الناقد، فلا يرى من تلك الفوائد إلا أنه سيصادر (الأفكار المتطرفة) وهذا حق دون شك، لكنه تناسى أن التفكير الناقد (ليس آلة) يمكن التحكم فيها وتوجيهها إلى أمر وصرفها عن آخر؛ فالطالب متى اكتسب مهارة التفكير الناقد فسيصادر الأفكار المتطرفة يمينًا ويُناقش مصدِّريها، في الوقت نفسه سيصادر أيضًا الأفكار المتطرفة يسارًا ويناقش مصدِّريها، وسيُعمل أدوات نقده في البيئة المحيطة به (التعليمية والدينية والاجتماعية والثقافية والرياضية والاقتصادية وغيرها) مهما بَعُد امتدادها، ولن يطمئن لما يردده بعض المسؤولين من أعذار عن مشاريعهم المتعثرة، وسيلتفت للفساد بكل صوره، وسيصبح على وعيٍ بما يتربص بدينه وقادته ووطنه ومستقبله، ولذلك لا يَحسُن بالبعض ممارسة التضليل باختزاله فوائد التفكير الناقد في محاولة منه لحجب بقية فوائده المؤكَّدة التي تتعارض مع أهدافه ومصالحه.

التفكير الناقد حالة وعي كاسحة قادمة ستُضيء عقول الأجيال القادمة، لذا فهي تستحق أن يُلوَّح بها للجميع، ولْيستعد هؤلاء وهؤلاء وأولئك للمساءلة ولكشف الأوراق وجرد الحساب.

نثقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.