.
.
.
.

الإسكان وتشكيل وعي السكان

عبداللطيف الضويحي

نشر في: آخر تحديث:

عند نقطة البداية، تبدأ رحلة التعليم، ومعها تبدأ رحلة البحث عن المحطة المناسبة التالية للتوقف وتبديل قطار التعليم بقطار العمل والشغل. فيتأخر البعض في الوصول لنقطة التقاء المحطة الأولى والمحطة الثانية، ويوفق البعض بتغيير قطار التعليم بقطار العمل في وقت قياسي وفي الوقت المناسب، فما أن يضع الشاب أو الشابة قدمه على درجات سلم الرحلة الجديدة «رحلة العمل»، حتى تتم مراجعة الأهداف وتحديثها، ليتصدر «هدف الزواج» الأهداف لدى غالبية السعوديين وكثيرين غيرهم من الشعوب. عندئذ وبعد تحقيق الهدف الثالث «الزواج»، وبعد مراجعة قائمة الأهداف وتحديثها على خلفية تحقيق الهدف الثالث، يتصدر أهداف الشاب والشابة الهدف الرابع «هدف السكن». هذا الترتيب لا يسري بطبيعة الحال على الجميع لكنه الخط الرئيس للغالبية. فالبعض على سبيل المثال يقدم الهدف الرابع على الهدف الثالث أو يستمر معه الهدف الأول حتى ما بعد الهدفين الثاني والثالث، والبعض يعود للهدف الأول بعد الهدف الثالث وهلم جرا بعد الزواج ومعه، تتغير الأهداف فتتقدم أهداف وتتأخر أخرى، لكن الهدف الأبرز والأهم بينها هو المسكن، ليصبح المطلوب الأول بين قائمة الأهداف، وفي سبيل تحقيقه، تتوقف أو تتأجل كل الأهداف الأخرى وتصبح جانبية.

في كل الأهداف السابقة، هناك تخطيط من قبل الفرد ومن قبل الحكومة، وكلما كان التخطيط الحكومي حاضرا ومبكرا، مضى القطار بسهولة ويسر وسهولة دون عقبات ومن دون عثرات. فليس مهماً أن يقتصر التخطيط لكل هدف على حدة، المهم هو التخطيط والتنسيق بين كل قطار والقطار الذي يليه حتى محطات التوقف ما بين القطار الأول والثاني والثالث والرابع.

في هذا المقال، أريد أن أتوقف مليا عند الهدف الرابع «السكن» في التسلسل الزمني لحياة أغلبنا، وأتساءل: لماذا لا يتقدم «هدف السكن» ليصبح ملازما للهدف الثاني «العمل» أو ملازما للهدف الثالث «الزواج»، بل لماذا لا تبدأ فكرة الاستثمار به بالتزامن مع الهدف الأول «التعليم»؟

من خلال متابعة المعلومات المتاحة عن المستوى والمرحلة التي قطعتها وحققتها وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان؛ ممثلة بذراعها الاستثمارية والتنفيذية «الشركة الوطنية للإسكان»، وما أحدثته من طفرة عمرانية مخططة ومدروسة في عدد من مناطق المملكة بما بات يعرف بالضواحي، بهدف زيادة المعروض من الوحدات السكنية والإسراع بتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 للوصول إلى نسبة تمليك تصل إلى 70%. وهو الهدف الذي وصلت نسبة تحقيقه الآن إلى حوالي 62%، وهي نسبة مرتفعة إذا تلازمت مع جودة البناء ومع القدرة الشرائية.

تعد ضاحية الجوان واحدة من بين سبع ضواح تعمل الشركة على تطويرها ليبدأ التوزيع بها نهاية 2021، وهي مدينة متكاملة داخل المدينة الأم الحاضنة الرياض، وتوفر مجتمعات سكنية تلبي تطلعات الأسرة السعودية. تتمتع الضاحية بما تتمتع به المدينة الأم «الرياض» أو غيرها من المدن الأخرى التي تحتضن بقية الضواحي وتشتمل على كافة الخدمات.

يُحمد للقائمين على هذا المشروع من الوزارة ومن الشركة أن لا تصبح الشركة الوطنية للإسكان منافسا للقطاع الخاص، فهي لا تدخل في أحياء الضاحية، بل تترك لشركات ومؤسسات القطاع الخاص القيام بذلك، وتكتفي الشركة بالعمل على الضاحية كمشروع عام دون الدخول في تفاصيل الأحياء. كما يُحمد للشركة إطلاقها برنامج «واعد» الذي يهدف لتدريب المهندسين والمهندسات حديثي التخرج وخلق فرص عمل في مشاريع الإسكان عن برنامج البيع أو التأجير على الخارطة «وافي» الذي يسوق مشاريع القطاع الخاص عبر موقع سكني.

فكرة الضواحي فكرة خلاقة لأنها «تبدأ من السكان ولا تبدأ من الإسكان» وتضفي بعدا إنسانيا واجتماعيا وثقافيا على المشروع وعلى المدينة، فقد ولى زمن كان فيه العقاريون يقودون السكان بالإسكان وليس العكس. هذه الإنجازات في الوعي والتخطيط تجعلني أتساءل عما بعد تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030: هل يمكن أن يتقدم هدف السكن من الهدف الرابع ليتزامن أو يتلازم مع الهدف الأول أو الثاني أو الثالث في ما بعد تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، مع الأخذ بالاعتبار كل ما يترتب على ذلك من تخطيط مشترك بين الأسرة والوزارة والشركة؟

نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.