.
.
.
.

تستر وغسل أموال

فضل بن سعد البوعينين

نشر في: آخر تحديث:

تسبب مخالفو أنظمة العمل والإقامة وأمن الحدود في مشكلات أمنية ومجتمعية واقتصادية عميقة. قضايا مختلفة ومتعددة يتم ضبطها بشكل دائم برغم الأنظمة المشددة، والحملات الأمنية المكثفة، والتوعية الإعلامية. يبدو أن هناك شرائح مجتمعية لم يدركوا بعد مخاطر التعاون مع المخالفين، وأثرهم المدمر على الاقتصاد، والمجتمع.

ترتبط جريمتا التستُّر وغسل الأموال بروابط وثيقة، وتداخلات معقّدة تحد من إمكانية الفصل بينهما.. فالعوائد المتأتية من جرائم التستر وتعاقداتها المالية ما هي إلا ركن أصيل من أركان جريمة غسل الأموال المحرّمة شرعاً وقانوناً.

التستر وغسل الأموال صنوان لا يفترقان، وهما من مكونات اقتصاد الظل الرئيسة، التي يعاني منها الاقتصاد الوطني كنتيجة مباشرة للعمالة الوافدة المخالفة، وبعض العمالة النظامية.

يعتقد البعض أن قضايا التستر باتت مرتبطة بشكل رئيس بالقطاعات التجارية، غير أن الواقع يثبت أن القطاع الصناعي لا يخلو أيضًا من عمليات تستر منظمة توشك أن تطبق عليه وتحرم السعوديين من فرص الاستثمارات الصناعية، وبخاصة ملاك المنشآت الصغيرة والمتوسطة. تجد مافيا التستر الدعم اللوجستي والتعاون من مسؤولين في بعض الشركات الكبرى الذين يسهلون لهم الحصول على عقود صناعية بمئات الملايين سنوياً.

جمع الأموال بطرق غير مشروعة دفع ببعض الوافدين للبحث عن قنوات من أجل تحويلها إلى خارج المملكة، ومنها استغلال حسابات منشآت بعض المواطنين مقابل أجر شهري أو نسبة من الأموال المحولة. يؤكد ذلك إعلان النيابة العامة عن ضبطها تشكيلات عصابية منظمة تمتهن عمليات غسل أموال وتحولها للخارج.

نجحت عصابة الذهب في تحويل ما يقرب من 64.8 مليون ريال إلى خارج المملكة، مع استحواذهم على كميات من الذهب يقدر وزنها بـ 19 كيلوجرامًا، كما نجحت عصابة غسل الأموال الأخرى في تحويل أكثر من 140 مليون ريال للخارج. المجموعتان اللتان تم ضبطهما من قبل الجهات المختصة ليسوا إلا نموذجًا واقعيًا لما يحدث في السوق السعودية من مخالفات متنوعة تحت مظلة التستر وغسل الأموال. عشرات المليارات يتم تحويلها سنويًا من خارج النظام المالي برغم الإجراءات المشددة، وأخرى تتم عبر قنوات نظامية وتحت مظلة منشآت سعودية صورية.

جندت الحكومة طاقاتها التشريعية والرقابية لمحاصرة ملف التستر التجاري وجرائم غسل الأموال الأكثر تهديدًا للاقتصاد، والمخلة بالتنافسية، والمعطلة لبرامج التنمية الاقتصادية المعنية بدعم المنشآت الصغيرة وريادة الأعمال وتوطين الوظائف. كما اجتهدت وزارة التجارة في تحسين البيئة التجارية وتحصينها من المخالفات، وفي مقدمها جريمة «التستر التجاري»، وعملت على تسهيل إصدار التراخيص ودعم المنشآت ومعالجة تحدياتها، وهي جهود متميزة غير أنها تحتاج دائمًا إلى الدعم المجتمعي الذي ما زال قاصرًا حتى اليوم.

قضيتي التستر التجاري وغسل الأموال من أهم القضايا التي يعاني منها الاقتصاد السعودي؛ حيث تستنزفان جزءاً مهماً من سيولته التي تحول للخارج وتتسبب في كثير من المشكلات القانونية والمخالفات المالية المؤثرة. لم تعد القضية معزولة عن جذورها الاقتصادية والمالية والأمنية والمجتمعية، بل أصبحت ذات أبعاد خطيرة لا يمكن الإحاطة بتداعياتها المتشعبة وما تشكله من اقتصاد الظل، الذي يبطئ حركة الإصلاحات ويؤثر سلباً على التوطين والحساب الجاري ويحد من الإيرادات الضريبية.

وبالرغم من تشعب ملفي التستر وغسل الأموال والتحديات المحيطة بهما، إلا أن الإصرار الحكومي، وكفاءة الوزارات والهيئات المختصة سيقود - بعون الله - إلى معالجته وتحقيق نتائج إيجابية في فترة زمنية قصيرة، خاصة مع وجود نظام مكافحة التستر الذي سيسهم في تجفيف منابع التستر والحد من أنشطة اقتصاد الظل وتقليص حجمه خصوصًا أنه يشتمل على المعالجة القانونية والجزائية للمنخرطين في عملياته القذرة، إضافة إلى وجود الأدوات الرقابية الصارمة، والتكامل بين الأجهزة الحكومية والأنظمة الرقابية والتقنية التي ستسهم في الحد من المخالفات، والمدفوعات المشبوهة، والتدفقات المالية الناتجة عن الأنشطة المحرمة والمخالفة للأنظمة والقوانين.

* نقلا عن " الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.