.
.
.
.

التفكير حول التفكير

محمد الحمزة

نشر في: آخر تحديث:

المنهج العلاجي أعمق من استراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي المعتادة مثل: (إعادة الهيكلة المعرفية) أو إعادة الصياغة والتي تركز على أساليب التعرف على أنماط التفكير ومحاولة تغييرها، ولكن بدلاً من محاولة تغيير أفكارنا، يخبرنا العلاج ما وراء المعرفي كيف نبحث في طبيعة الفكرة..

العلاج ما وراء المعرفي هو شكل جديد من أشكال العلاج النفسي الجديدة التي لا تركز على تحديد الفكرة وتغييرها كما يحدث في العلاجات المعرفية المعتادة ولكن عوضاً عن ذلك تبحث في طبيعة الفكرة ذاتها، لذلك يقصد بمصطلح (ما وراء المعرفي) هو التفكير حول التفكير: هو نوع من العلاجات النفسية الذي يمتلك جانبا من جوانب الإدراك التأملي في العقل البشري، حيث يتناول سؤالا لطالما تفكرت به العقول منذ بزوغ قدرة الإنسان على التفكير والتأمل بمن فيهم أولئك الفلاسفة القدماء، الذين تساءلوا حول.. "من أنا؟" أو "ما هو العقل" أو "ما هي الأفكار؟".

هذا المنهج العلاجي أعمق من استراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي المعتادة مثل: (إعادة الهيكلة المعرفية) أو إعادة الصياغة والتي تركز على أساليب التعرف على أنماط التفكير ومحاولة تغييرها، ولكن بدلاً من محاولة تغيير أفكارنا، يخبرنا العلاج ما وراء المعرفي كيف نبحث في طبيعة الفكرة والذي يستهدف في الحقيقة فهما أوسع للطريقة التي تعمل بها عقولنا.

أحد أهم المفاهيم حول العقل ووظائفه هي ببساطة أن الإنسان ليس لديه قدرة على التحكم بكل فكرة تطرأ عليه، في الواقع أغلب أبحاث علم النفس تتفق على أن السواد الأعظم من تفكيرنا (80%) يتم بشكل تلقائي ودون وعي، بمعنى أننا لا نعير انتباها كبيرا أو نشارك بكل عملية تفكير تجري في عقولنا، فعقولنا تسرح وتتخيل وتعيش أحلام يقظة وتجتر الأفكار طوال مدة استيقاظنا، في العلاج ما وراء المعرفي يتم وصف هذه العملية السابقة بـ(الوعي الذهني المنفصل أو المستقل)، وهو ما يتم فيه ملاحظة الأفكار وتقبلها دون التشبث بها أو اعتبارها أمرا جديا وواقعيا يحتاج للتركيز والانتباه والتحليل.

بالطبع نحن لم ننس أيضاً الجزء الأهم المتبقي من التفكير 20 % وهو الذي نكون فيه منخرطون بالتفكير الواعي، في هذه اللحظات بالتحديد يمكننا الإحساس ببعض السلطة والتحكم على سير تفكيرنا وهو ما يحدث عندما نحاول تغيير العادات الذهنية المزعجة وحل المشكلات ويعتبر أرضا خصبة للعلاجات المعرفية المعتادة.

الجانب الآخر المهم من العقل أن ما يطرأ عليه من أفكار إنما هي لحظات آيلة للرحيل، ومثلما تظهر دون سبب فهي أيضاً تتلاشى وتختفي بنفس الطريقة، مثلاً عندما ينشغل الذهن بسلسلة من الأفكار سيصل بالنهاية إلى سلسلة أخرى من الأفكار المختلفة عما قبلها وهي تشبه إلى حد كبير طبقات الظلال التي تغطي وتخفي بعضها البعض.. فنحن ننسى ما كنا نفكر به قبل لحظات إذا لم نركز عليه وقبل أن نتذكر وننتبه لذلك، نكتشف أن عقولنا قد سافرت بنا في رحلة أخرى إلى مكان آخر.

استيعاب هذه الفكرة هو عنصر أساسي يعلم الإنسان بأنه ليس عليه فعل أي شيء كردة فعل تجاه هذه الأفكار المؤقتة لأنها في النهاية ستتلاشى من تلقاء نفسها، لذا سيكون شعارنا هنا "هذا الأمر سيمضي أيضاً" وهو ما علينا تكراره بوضوح لأنفسنا حينما نمر بأفكار ومشاعر أو أحداث مزعجة، لأنه ببساطة إن كنت صبوراً بما يكفي ستتمكن من تجاوز الأفكار والمشاعر المزعجة دون أن تغذيها من طاقتك الذهنية ووقتك الثمين.

من منظور علم النفس التطوري يعتبر الهدف من التفكير هو لاستيعاب العالم حولنا والتكيف مع بيئتنا المحيطة، وقوة الفكرة تظهر انعكاساتها على التطور في الأدوات والتقنيات والعلم والطب، وبالتأكيد دون قدرتنا على التفكير لما استطعنا أن نصل لما وصلنا عليه اليوم، لكن على الجهة الأخرى يستهلك العقل جزءا من هذه القدرة في التفكير المفرط (الاجترار) وهو ما يعتبر مشكلة عند أولئك الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق، عقولهم تحاول تحديد المشكلات التي تطرأ على حياتهم والحلول المناسبة لها.

يشمل ذلك ما يظهر في أحلامنا من سيناريوهات ونظريات تختلقها عقولنا من تزاوج الأفكار وما ينتج عنها من تفسيرات، وكل ذلك يحدث لتحقيق هدف واحد وهو للتعلم من التجارب واستيعابها ومحاولة لمعالجة هذه المعلومات وتخزينها، فهم طبيعة عقولنا مهم في تسليم دفة القيادة أحيانا له، لما في ذلك من فوائد ذهنية مثل الإبداع وحل المشكلات وهو ما نلاحظه عند السرحان وأحلام اليقظة.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.