.
.
.
.

عشت لأروي

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

في هذه المذكرات تفاصيل مؤلمة عن الحياة في كولومبيا: فقر مدقع، وجرائم قتل، وسرقات، ديموقراطية ناقصة ومشوهة يتنافس فيها حزبان، أحدهما ليبرالي والآخر محافظ، وحين يفوز حزب على آخر يصبح مصير قائد أحد الحزبين هو الاغتيال، لتبدأ حرب شوارع وتصفيات وإبادات بالجملة..

. من أجمل الكتب وأكثرها فائدة والتي يستمتع القارئ بقراءتها كتب السير الذاتية، ذلك أن من يكتبها عادة ينجزها في سنّ متأخرة، وبعد تجارب ونجاحات وإخفاقات، معظم قادة الدول الغربية كتبوا مذكراتهم، البعض منهم تطرق لسنين الطفولة وصعوبة الحياة، وبعضهم ركز على سنوات العمل. ومن أجمل ما كتب عن سيرته الذاتية في العالم العربي طه حسين في كتابه "الأيام"، وميخائيل نعيمة في كتابه "سبعون"، وأحمد أمين في "حياتي"، وحمد الجاسر في "سوانح الذكريات"، وعبدالرحمن بدوي في "سيرة حياتي"، ومن السير الذاتية التي استمتعت بقراءتها مذكرات غابرييل ماركيز بعنوان "عشت لأروي"، وهو كاتب من كولومبيا، وحاصل على جائزة نوبل عن روايته الشهيرة "مئة عام من العزلة"، يقول في بداية مذكراته: حرص والدي كي أحصل على الشهادة الجامعية، لكنني كنت أريد أن أكون كاتباً، لذا هجرت الجامعة في آخر سنة، متحمساً لعبارة قرأتها لبرنارد شو يقول فيها: "منذ طفولتي المبكرة اضطررت إلى قطع تعليمي لأذهب إلى المدرسة". وهكذا انطلق في حياة بوهيمية بين التسكع والموسيقى، والإفراط في التدخين والشراب، والنوم في الحدائق أو فنادق رخيصة أو في بيوت الأصدقاء والمحسنين، عمل في جريدة محلية بأجر ضئيل لا يكفيه مدة أسبوع، لكن ما نفعه وساعده على تخطي الصعاب والشهرة والنجاح هو حبه الشديد والنهم للقراءة، كان يقرأ كل ما يستطيع الحصول عليه من كتب في الأدب والرواية والشعر، ثم يترجم ذلك إلى قصص قصيرة وروايات ومقالات للجريدة، يقول عن الكتب: تعلمت من بعض الكتب مثلما تعلمت من كتاب "ألف ليلة وليلة"، وهو أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها.. وكان لا يكتب إلا والسيجارة في يده، حتى أنه كان يدخن يومياً من ثلاث إلى أربع علب، وبعد أكثر من عشرين سنة حين رأى الطبيب رئته، قال له: إنك لن تستطيع التنفس بعد سنتين من الآن، وبعدها قال له طبيب نفسي: إن التدخين هو أصعب إدمان يمكن التخلص منه، وأضاف: ترك التدخين بالنسبة لك سيكون أشبه بقتل كائن عزيز عليك، حينها سحقت السيجارة التي أشعلتها للتو، ولم أعد للتدخين بعدها في حياتي. عاش أربع سنوات في مدرسة، يسكن الطلبة داخلها، ويأتونها من مختلف مناطق كولومبيا، وقد ألهمته تلك السنوات أهمية المعايشة للجميع، ورأى وحدة الأمة تتمثل في هذه المدرسة، وكتب: اكتشفت كم نحن متعددين، لكن في جوهر كل واحد منا توجد البلاد بأسرها، وهذا هو ما أشرت إليه في كتابي "عشت سعيداً" عن كلية الملك فيصل الجوية، وكيف أنها قدمتني في سنّ مبكرة للوطن بكل مناطقه وبلداته.

في هذه المذكرات تفاصيل مؤلمة عن الحياة في كولومبيا: فقر مدقع، وجرائم قتل، وسرقات، ديموقراطية ناقصة ومشوهة يتنافس فيها حزبان، أحدهما ليبرالي والآخر محافظ، وحين يفوز حزب على آخر يصبح مصير قائد أحد الحزبين هو الاغتيال، لتبدأ حرب شوارع وتصفيات وإبادات بالجملة، وفي النهاية تستولي القوات المسلحة على السلطة لتمارس أنواع أخرى من الظلم والقتل والتصفيات.

الحياة الاجتماعية يسودها الكثير من المتناقضات، والدته أنجبت أحد عشر طفلاً، حين رآها وهي في سنّ الخامسة والأربعين، رأى سيدة متقدمة في العمر، يقول: لم لا؟ وقد أمضت من عمرها عشر سنوات وهي حامل بأطفال، ومثلها وهي ترضعهم، لبست والدته الحداد منذ ماتت أمها ودفنتها في فناء البيت، وصارت تحمل معها رفاتها لتدفنه في فناء كل حديقة بيت جديد.

يتحدث عن علاقة كولومبيا بالولايات المتحدة الأميركية فيقول: إنها فصلت بنما عن كولومبيا لتنفرد بقناة بنما وتسيطر عليها، أما الذين حاربوا مع أميركا في كوريا حيث التحق الآلاف منهم بهذه الحرب هرباً من الوضع المأساوي في كولومبيا، فقد عادوا إلى كولومبيا من دون أي ضمان للعيش الكريم، بل إن بعضهم صار يتسول الأكل والمسكن، وأحدهم رهن أوسمته لكي يأكل، كما لم يكن هناك بالمقابل دموع كافية لبكاء الكثيرين الذين رجع أحبتهم متحولين إلى أرطال من الرماد.

كولومبيا وكما أوضح الكاتب، بلد الجمال والناس البسطاء الطيبين، والأنهار والجبال والغابات ومزارع الموز، كان يمكن أن تصبح من أفضل الدول وأكثرها أمناً ورخاءً، لكن غياب القيادة المخلصة والفساد، وسوء تطبيق الديموقراطية، وتدخل الدول الكبرى في شؤونها الداخلية، جعلها بلداً ضعيفاً وفقيراً وطارداً لسكانه، ومثالاً لانعدام الأمن والتنمية.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.