.
.
.
.

للزمن مآرب أخرى

عبدالعزيز اليوسف

نشر في: آخر تحديث:

هكذا يشدو نبضَ التعلُّق في مآلات الطيوف، تقسو أوقاتنا في مآرب الزمن الحاضر، وفي ارْتجال الخيال يحن الشجن.. في حديقة الطفولة كنت أظن أن ورود الطين تُسقى بنغم فاتن، وأن الفضاء ورقة واسعة أخط فيها كل أمنياتي بلا هوامش.

كنا بذات الوضوح.. متيقنون بأننا أجمل النسخ الموجودة، وأمثل النماذج الممكنة وليس بيننا كثير من الخلاف نتداوله.. كنا نعبث بالأسئلة هروبا من الإجابات، ونرتب الفوضى على راحة البراءة.

حين تتأمل.. فترحل نفسك باتجاه تفاصيل الماضي الجميل.. ستطأ عيناك بقع الشجن.. وتقفز أذناك فوق الحنين.. وترتص الذكريات بلا ترتيب.. وتسقط الحروف بين أصابع الظمأ.

من قال إن الزمن يدور؛ بل هو يذوب، والتوقيت ينصهر، والتاريخ يتلاشى.. وحتى الزمن الأصيل يتبخر أسرع من السراب.. مع أننا كنا لا نعد الدقائق لأننا لم نحسب الزمان.

حقيقة كان القليل أشهى.. وكانت العتمة تضيء بنشوتنا، ونتناول الليل بحكايانا الشقية.. فكان البطل فينا هو الأكثر مقالب وتخريباً.. وهذه المراقد كخرائط مملوءة بتضاريس الراحة، ومناخات البرودة.

آهات.. ولغز المطر تحله النفوس الطيبة.. وأحجية جدي يكررها لا يجيب أحد.. فيزهو بالكبرياء رأس جدي.. لم يعرفوا أن الجواب في «حناء» جدتي.. والحل في صندوقها الأخضر.

أصوات سحرت الجهات.. ونغمة جدتي رددها الطين العتيق في حارتنا القديمة.. فتلذذنا بنكهة الطفولة بين ترانيم الكبار.. لتشعر أن الأحلام تتطاير بين جنبات الحياة.. وكثير من السعادة تحوم فوق رؤوسنا.

هدوء ذلك الضجيج الذي يتخم أرواحنا البيضاء.. وضجيج ذلك الهدوء الذي يخلو من الفرح.. وحين تدور الأحاديث تصمت الأنفاس، وتنتثر الحكايا، وتنشر الضحكات.. فتصبح الأماكن الصغيرة كبيرة بالبراءة.

أبوابنا ترحب بالغرباء.. وتنتظر الحلوى مثلنا.. وهذه العتبات تقبلها الأقدام بالوصل والزيارة.. والصحون تغني سمرا بالطعام البسيط.. والأباريق ترقص طرباً بـ «الشاي».. والفناجيل يشدو شذاها «هيلا».

بعض الثياب متسخة على جسد نظيف، وهؤلاء الصغار يركضون على قطن «السكة» الضيقة.. لا يشعرون بالغربة.. ولا يحسون بالكربة.. ما ألذ شكاويهم، وأطعم بكائهم، وأمتع جدالهم.

كثير من الأمان امتزج بوصايا أبي، واختلط بتعليماته التي كنت أحسبها غلظة.. فاكتشفت حينها أن الحب يكمن في وصايا الاهتمام.. وأن الإهمال نصف الكره.. وكثير من الاطمئنان داخلي كان يلبسني حين أسمع اسمي يرنو من فيه أمي.. فأدرك أن الكون يلفني بطهرها، والدنيا تزرعني في أنسها.

يفكر هل ألعابنا تلعب بنا أم نلعب بها؟ ذلك جاري الصغير جسماً، الكبير عقلاً لم يستطيعوا الإجابة.. فأكملوا اللعب وأطالوا يخشون سؤاله مرة أخرى.. كان يسأل "لمَ جدي يقول: بطن الحوي"، هل للمنزل بطن وظهر وكتف وجسم؟ ضحكنا وقذفنا عليه التراب فقررنا ندعه وشأنه وأسئلته، ونعود للعب.

بقعة شجن تغرقني في غياهب التذكر.. فأسمع حسيس الذكريات، وأتعطر برحيقها.. وأدرك أنه لم تبقَ لي إلا الدعاء.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.