.
.
.
.

عام المهارات

أريج الجهني

نشر في: آخر تحديث:

كل عام وأنتم بخير وعوداً حميداً؛ لعل عام ١٤٤٣ الدراسي يكون عام مهارات بامتياز. والذي يهمني أن يكون هذا الأمر حاضراً ليس في خطط التعليم فقط بل حتى لدى الأهالي والمربين بشكل عام؛ فالمهارة سواء في التفكير النقدي أو التحليل أو الكتابة والتحدث والتخطيط كلها أدوات إن أتقنها المتعلم (مهما كان عمره) تصبح مع الوقت وسيلة ناجحة للكسب والعيش بشكل أكثر استقراراً، فالتحول من أسلوب التلقين والحشو إلى أسلوب إنتاج المعرفة وصناعة المحتوى هو العلامة الفارقة في المنجزات المعرفية.

إذا أردنا أن نتحدث عن اقتصاد معرفي فلا يمكن أن نصل لهذا دون أن نعزز المهارات اللازمة لمواجهة سوق العمل، وتجد أننا تأخرنا في تعزيز المهارات الحياتية عند أول تفاعل مع مخرجات التعليم في الفضاء العام. ولعل أكثر ما يلفت الاهتمام هو الضعف اللغوي الحاد لدى فئات عمرية تجاوزت الخامسة عشرة دون أدنى مهارة لغوية سواء عربية أو إنجليزية تحدثاً أو كتابةً؛ وتجد هشاشة فادحة بالذات في بناء الجمل والتراكيب، بخلاف الأجيال القديمة والمسنين الذين لديهم بلاغة لغوية أو على الأقل فهم بسيط للكلمات.

لا أفهم أين ومتى حدثت هذه الفجوة، لكن استدعي المجتمع كافة للتفكير بخطورة الأمر. شاهد تغريدات البعض وستفهم كيف يكتبون جملاً لا معنى لها. بجانب المهارات اللغوية هناك المهارات التفاعلية من التواصل ولغة الجسد تجد جفاءً ونفوراً بين الناس، تأمل تبادل النظرات بين الناس تجد أنها تراوح بين (التحديق) وهو فعل دميم أو (التجاهل) كأن يشيح بائع بنظره عن العميل وهو فعل أبله وساذج. النظر له آدابه ويكون ضرورياً بين الأستاذ وطلابه والقائد وفريقه. كل هذه المهارات الاجتماعية بسيطة ولو تم تفريغ فريق بحثي لرصدها سنجد أنها تكاد تنعدم في كثير من الأحيان والأماكن ولا تجد أي برامج توعوية أو حملات تستهدف السلوك الإنساني اليومي وهو الأهم وهو الذي يعكس خفايا وكوامن النفس، بل لا تجد تعزيزاً لقيم الصداقة واللطف والنبل مجرد قيم استهلاكية بغيضة وأفكار سطحية جداً.

لذا أنا أعول على الأسرة كونها المحضن الأساسي للأفراد، فالمسؤولية هنا مضاعفة؛ لا تتركوا أبناءكم حقول تجارب، أعينوهم على التنافس وتأكيد الحضور. اللغة والتفكير والحضور ثلاثية النجاح المهني لا تحرموهم من فرصتهم في النجاح الحياتي قبل الأكاديمي. عامان من الانقطاع ليس بالأمر السهل، لا تنتظروا منهم العودة بسهولة، قدموا لهم كافة المساعدات اللازمة مع التهيئة النفسية وعدم بث الأفكار السلبية داخل المنزل أو تقليل مكانة المدرسة والمعلمين. ولا تجعل طفلك يظن أن العودة عقوبة! بل ساعده أن يفهم مشاعره ويفهم قلقه.

الفاقد التعليمي في وجهة نظري ليس عدد المعلومات التي لا يعرفها الطالب؛ بل الفاقد الإنساني هو الأشد مرارة وأصعب في التعويض. أن يفتقد الإنسان قدرته على التعاطف، التجاوز، الحب، الحلم والفرح، نعم هذا الفاقد الذي لا يناقشه الناس لأنهم ينظرون للعملية التعليمية كخط سير تعليب داخل مصنع وليست مدرسة تبني إنساناً اجتماعياً سوياً ومحباً وسليم الصدر ومواطناً معتدلاً، منهجه الوسطية يحمل الناس على المحامل الطيبة ويتقن لغته ويعقلها.

ما أكثر الفجوات وما أطول الطريق، ومن يفهم يفهم والبقاء للأوضح.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.