.
.
.
.

الرهان على التقنية .. قمة وهمة

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

لم تكن التقنية بعيدة عن القطاعات المستهدفة في بدايات الإعلان عن "الرؤية" قبل بضعة أعوام، لكن كان هناك من يراهن على نجاحات أخرى مثل قطاع الاستشارات أو بعض المجالات المالية والصناعية والزراعية. بات واضحا أن الحراك التقني الحكومي وما يرافقه من تطورات في ريادة الأعمال التقنية فتحا أبوابا عدة من الفرص المختلفة، فالحديث اليوم في هذا القطاع لم يعد مجرد اهتمام أو تخطيط، وإنما تجربة محلية فريدة تقود حراكا اقتصاديا واجتماعيا، هو حراك استثنائي وجريء ومؤثر. ستكون ممارسات التقنية محليا والقدرات التي يتم بناؤها هي خيل الرهان التي تقود جميع القطاعات نحو النمو المنشود والحضور المرتقب.
من شاهد الأربعاء الفائت أخبار الإطلاق التقني الضخم Launch KSA الذي شاركت به عدة جهات مؤثرة تقود الموجة التقنية الجديدة يعرف أنه ليس حفل تدشين اعتياديا، فالتجربة الفعلية في كثير من تفاصيلها بلغت إنجازات كبرى وأثبتت وجود قدرات محلية تستحق الثقة، إنجازات المنصات الحكومية الرقمية أكبر دليل. عندما تحدث المسؤولون الشباب عن مبادرات هذا الإطلاق، رأينا بكل وضوح الجدية في استمرار الحضور التقني المميز الذي يقوم على الثقة في الموهبة المحلية، ويبني تجربته على تقديم القيمة للمستفيد المحلي، ومع ذلك يستهدف الحضور والامتداد الذي يتجاوز الحدود - بإذن الله.
من ينظر إلى المبادرات الرئيسة المعلنة (طويق، قمة، همة) وما أعلن كذلك من اتفاقيات ومبادرات فرعية أخرى مميزة، يرى أن الرهان دخل فعليا في حيز التنفيذ. تقوم هذه المبادرات على حل المشكلة الأساسية من جذورها، فهي لا تهدف إلى تحقيق إنجازات تقنية بشكل مباشر، مثل بناء تقنيات محددة، وإنما تركز على بناء القدرات التقنية المحلية، وهذا خير ما يستثمر فيه. لذلك أراها إعلانا صريحا ودعوة مباشرة للشباب من مختلف الخلفيات والإمكانات إلى الاقتراب من التقنية أكثر، بالشكل الإيجابي المنتظر. تقوم الاستثمارات التقنية إجمالا على العنصر البشري. والعنصر البشري كان وما زال محط اهتمام الأنشطة التنموية والتأهيلية في المملكة، لكن اليوم نشهد تركيزا ذكيا وقويا، ينظر إلى تحقيق المستهدفات المرتبطة بدعم القدرات التقنية بشكل تفاعلي وحي. وسواء كان الهدف مرتبطا بزيادة عدد المبرمجين (مبرمج من كل 100 سعودي عام 2030) أو يدعم رواد الأعمال التقنيين أو غير ذلك، فهو يصنع حراكا وفرصا للتأثر والتأثير نرى معها - بإذن الله - تطلعات القمة والهمة والإرباك المنشود. حضور الشركات العالمية لبناء أكاديميات تقنية في وسط الرياض يؤكد أن الرهان المحلي على التقنية ليس من قبلنا فقط، بل حتى غيرنا يراهن علينا.
قبل أعوام كان هناك من يقول لا يوجد تعريف أو شيء واضح ومؤثر يسمى الاقتصاد الرقمي، والحديث حول الذكاء الاصطناعي خيالي. يعد قطاع التقنية بما يشمله اليوم قطاع القطاعات كلها، فالتقنية فعليا لم تعد صناعة حواسيب وبرمجيات تباع كمنتجات في أسواقها المختصة. ولا يحتاج هذا الأمر إلى شرح أو إثبات، لكنه يقودنا إلى خلاصة مهمة وهي أن بناء القدرات التقنية سيغير من شكل بناء القدرات الأخرى في جميع القطاعات، سواء كانت قدرات بشرية أو هيكلية أو تنظيمية أو غير ذلك. وهذا يعني أن المسألة لم تعد ترتبط بتفوق تقني أو تحسن في المراكز فقط، بل التقنية محرك ومهيئ لصنع كثير من المحفزات والمسرعات لرحلة التنمية المنشودة. لهذا، ينبغي لكل محطات البناء والإنتاج التعليمية والتأهيلية ابتداء من الأسرة حتى الجامعات وأماكن العمل الانتباه إلى هذه التغيرات. هذا لا يعني أن يصبح كل أبنائنا مبرمجين بالضرورة، لكن ينبغي أن تؤخذ هذه التطورات في الحسبان، إذ إن الأدوار التقنية ستغير من طبيعة عمل المحاسب والمحامي والمهندس والطبيب كذلك. بل إن هذه الاهتمامات التقنية ستنعش وتفتح الأبواب للتقنية المختصة، مثل التقنية الحيوية والصناعية والعسكرية، وهناك بلا شك الدور المنتظر للشركات التقنية الناشئة وتفاعلها الجديد مع عالم الأعمال الحقيقي.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.