.
.
.
.

سعادة المعلمين المهنية في بيئات العمل

منى يوسف حمدان

نشر في: آخر تحديث:

مع عودة الحياة لمدارسنا وعودة المعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات للمدارس في كل بقعة من وطني، عدت بذاكرتي لما يقارب ربع قرن قضيتها في أروقة المدارس في قرى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، ثم إلى مدرسة في القطيف وبالتحديد في محافظة صفوى حتى استقر بي المقام في محافظة ينبع، وتذكرت أيامي السعيدة التي قضيتها في كل مدرسة وتساءلت لماذا هذا الشعور بالحنين للماضي الجميل؟.. فكان الرد سريعًا جدًا: إنها الحياة المهنية والعلاقات الحميمية التي كانت تجمع منسوبات المدرسة، كنا نختلف في كثير من الأحيان كعادة كل التجمعات البشرية، لكن قلوبنا لم تعرف الاختلاف ولا الأحقاد ولا المكائد والدسائس.. لم تكن سعادتي نابعة من أمور مادية ولا مباني نموذجية فكانت أغلب سنوات خدمتي كمعلمة إن لم يكن كلها في مبان مستأجرة تعاني الكثير من المشاكل، ولكنهم البشر حولك من يصنعون السعادة يعيشونها في دواخلهم وينقلونها لمن حولهم.

عملت مع قيادات مدرسية اتسمت بالعدالة والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه، لا تقصي أحدًا ولا تفضل لا تظلم ولا تحابي ولا تقرب من تهواه النفس وتبعد من لا تهواهم لأمور شخصية وقرارات تعسفية ظالمة.

السعادة المهنية مطلب مهم في كل زمان ومكان ولن ينتج موظف في كل بيئات العمل إلا إذا استشعر بالتقدير والاحترام وبالمعاملة الحسنة وإعطائه حقوقه التي يكفلها له النظام والقانون المهني واللوائح والأنظمة.

لا تطلب من موظف فوق طاقته وانت لم تقدم له ما يحتاجه ولم يوفر له بيئة آمنة مستقرة، حرص القيادات التعليمة على تلمس الاحتياجات المادية والنفسية كفيلة برفع معدلات الولاء والانتماء للمؤسسات التعليمية.

تذكرت مديرة المدرسة في محافظة صفوى وبالاتفاق مع زميلاتي المعلمات قررن في يوم أن يخبروني بأنه سيتم توزيع الجدول الدراسي الذي كُلفت به عليهن بالتراضي لأنني كنت في شهري الأخير من حملي وكانت لي ظروف صحية خاصة جدًا ومسافة طويلة أقضيها من الجبيل إلى صفوى.. موقف انساني لم ولن أنساه لتلك النفوس الطيبة الطاهرة التي قضيت معها أجمل سنوات عمري المهنية، وربنا جل في علاه أوصانا بأن لا ننسى الفضل بيننا.

معلمة غادرت الدنيا ولم يغادر أثرها الطيب، ومعلم قام بمعالجة طالب يتيم بدون علم أحد إلا الله، ومدير تكفل بأسرة محتاجة عفيفة وساعدهم على متطلبات الحياة بل كان يوصل لهم ما يحتاجون إليه من طعام وشراب ودواء لأب مريض مقعد، كل هذا وأكثر من مواقف إنسانية يقوم بها ورثة الأنبياء، فهل يعي المتشدقون بأقوالهم عن إجازات طويلة للمعلمين والمعلمات عن الدور الذي يقومون به ولا يعلمه إلا الله، هل هناك موظف يعمل خارج الدوام بدون مقابل إلا المعلم الذي يحضر دروسه ويشتري مراجعه وكتبه ويتلقى اتصالات مفاجئة من مديره للقيام بعمل عاجل وينجزه بدون كلل ولا ملل ولا يتذمر ولا يتوانى في حل المشكلات ويعالجها بروح الأب الذي يخاف على أولاده.

لكل أفراد المجتمع أقول لكم رفقًا بالمعلمين والمعلمات وازرعوا في قلوب هذا الجيل الاحترام والتقدير لهم ولدورهم في التربية والتعليم والتوجيه والرعاية فهم شركاء لكم في متابعة أبنائكم وهم القدوة لهم ومازال في ذاكرة كل واحد معلم ومعلمة تركوا بصمة في قلوبهم وعقولهم..

والدي الحبيب رعاك الله ستظل قدوتي ما حييت، في مثل هذه الأيام كنت أراك تسرع الخطى لتشارك بنفسك وبيديك المباركة في غسل أروقة المدرسة مع عمال النظافة وترتيب المقاعد الدراسية وتوزيع الكتب وابتسامتك على محياك لا تفارقك وتعلمت منك أن التعليم رسالة وأن مهنة المعلم هي الأشرف والأقدس وأنها أمانة ولن يجازي أحد المعلم على ما يبذله من عطاء إلا الله جل في علاه..

هنيئا لكم أيها المعلمون والمعلمات عيشوا بسعادة مهنية لا مثيل لها فرب كريم عطاؤه لا ينفذ سيوفيكم حقوقكم في الدنيا والآخرة وكل عام والتعليم في وطني بكل خير.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.