.
.
.
.

الجامعات تعاني نقص المستشفيات الجامعية وتواضعها التنظيمي

محمد عبدالله الخازم

نشر في: آخر تحديث:

يوجد في المملكة ما يقارب 200 كلية طبية وصحية (طب، طب أسنان، علوم طبية، تمريض، صيدلة، صحة عامة، إلخ) منها 40 كلية طب تمثل الكليات الحكومية منها 26 كلية. جميع هذه الكليات تستند في تعليمها وتميز مخرجاتها على جودة التدريب السريري (الأكلينيكي) الذي يتوفر لطلابها، حيث التعليم الطبي والصحي يعتمد على ثلاثة مكونات رئيسة؛ تعليم المواد العلمية الأساسية، تعليم المواد الطبية والصحية التخصصية والتطبيق أو التدريب السريري، ولا قيمة لمخرجات كليات الطب والكليات الصحية الأخرى بدون تدريب سريري تطبيقي متقن، ولا مجال لاكتمال ذلك التدريب دون مراكز طبية تدريبية مناسبة ومهيأة كما يستوجبه تعليم وتدريب التخصصات الطبية والصحية. كليات الطب السعودية الأول ساعدها في ذلك التميز وجود مستشفيات جامعية تحتضن طلابها وتقدم لهم التدريب المناسب، لكن الجامعات والكليات الجديدة تعاني عدم وجود مراكز تدريبية مناسبة، دون إنكار دور بعض مستشفيات القطاعات الأخرى، والتي تساهم في هذا الأمر وهي غير مهيئة كمراكز تدريب وتعليم طبية جامعية ولا تتوفر فيها البنى الأكاديمية والتدريبية المطلوبة.

إذاً هناك صعوبات بارزة تعانيها الجامعات في مجال التدريب الطبي السريري، ألخصها في أمرين رئيسيين.

الأول، مشكلة توفر المستشفيات الجامعية لأغلب الجامعات (لا يوجد سوى ستة مستشفيات جامعية من 26 مستشفى نحن بحاجة إليها) وهي المعنية بالتدريب، في مختلف المناطق. بدأت جامعات المناطق وضمن خطط تأسيسها إنشاء مستشفيات جامعية ولكن نظراً لظروف ليس المجال شرحها، تعثر إنشاء أو إكمال إنشاء تلك المستشفيات، وبعضها بدئ في تأسيسه منذ أكثر من عشر سنوات ولم يكتمل.

الثاني، معاناة المستشفيات الجامعية بما فيها القائمة من صعوبات تنظيمية إدارية ومالية، حيث يتداخل العمل الأكاديمي مع التشغيلي في أشكال تكاد تشكل (فوضوية) إدارية في بعض الحالات تنتهي بعدم القدرة على قياس وضبط كفاءة التشغيل والإنفاق وتحسينه.

المشروع الذي نطرح مقترحه هنا يحاول التغلب على الصعوبتين أعلاه، ويستند على التوجهات الحديثة وما تدعمه رؤية 2030 الرامية إلى رفع كفاءة الإنفاق، استقلالية الجامعات في مواردها، تنمية الموارد الذاتية للجامعات، تنمية الموارد البشرية، إسهام صندوق الاستثمارات العامة في المحتوى المحلي في مشاريع ذات جدوى اقتصادية وتنموية. وكذلك في ظل توجهات القطاع الصحي نحو زيادة فرص تطبيق التأمين الصحي وتحويل المستشفيات إلى مؤسسات تجارية أو شركات سواء حكومية أو غير حكومية. جميع هذه المعطيات تجعلنا نتفاءل بأن الأفكار الواردة هنا ستكون قابلة للتطبيق، مع الإشارة مقدماً إلى أن الهدف هنا هو طرح فكرة للنقاش والدراسة وليس تقديم دراسات تفصيلية، فتلك خطوات تأتي لاحقاً. فكرة المشروع تتكون -باختصار- من عنصرين رئيسيين:-

العنصر الأول، يتمثل في تأسيس شركة للخدمات الطبية بالجامعة المستفيدة من المشروع. هذه الشركة ستكون المخولة بتأسيس وتشغيل الخدمات الطبية بالجامعة. وهذا يحقق تطوير الفكر الاستثماري بالجامعات واستقلالية العمل الأكاديمي عن العمل الاستثماري. قد تكون شركة مغلقة تساهم فيها الجامعة وصندوق الاستثمارات فقط وقد تكون مساهمة يتاح جزء من أسهمها للمواطنين، وفق ما تراه الجهات ذات العلاقة. إدارة الخدمات الطبية في الجامعات عن طريق شركات سيتيح العمل وفق أسس تشغيلية واضحة، بما في ذلك جلب الموارد وتنظيم وتطوير العمل الطبي الأكاديمي المهني وإدارة الموارد البشرية والأنظمة المالية والإدارية وفق حوكمة واضحة وأسس إنتاجية مستقلة حديثة، وفق توجهات رؤية 2030 الرامية إلى التخصيص وتطوير الموارد الذاتية وغيرها من التوجهات.

العنصر الثاني يتمثل في مساهمة صندوق الاستثمارات العامة في تمويل مشاريع تلك الشركة وأهمها مشروع المستشفى الجامعي. قد تكون مشاركة في تأسيس مشروع المستشفى الجامعي فقط أو مشاركة في أسهم الشركة الطبية بصفة عامة والأخير ما نحث عليه. مساهمة الصندوق ستكون مادية وكذلك لوجستية بدعم حوكمة الشركات الطبية الجامعية بالمشاركة في مجالسها وتقديم الخبرات والدعم اللوجستي والإداري.

هذه الشراكة المقترحة لبرنامج المستشفيات الجامعية ستكون أبرز ملامحها وأهدافها التالية-

1 - تقديم نموذج متطور في العمل والاستثمار الذاتي للجامعات عبر شركات جامعية.

2 - تطوير نموذج إداري وتنظيمي حديث للمستشفيات الجامعية.

3 - تعظيم المحتوى المحلي لمبادرات صندوق الاستثمارات العامة.

4 - تقديم نموذج شراكة بين الجامعات وصندوق الاستثمارات العامة.

5 - دعم الخدمات التعليمية والصحية في مختلف مناطق المملكة.

6 - خلق فرص وظيفية نوعية جديدة تقارب 50 ألف وظيفة.

7 - دعم الجامعات السعودية لإكمال البنية التحتية لمشاريعها.

8 - دعم جلب التقنيات والآليات الحديثة في مجال التدريب والخدمات الصحية.

شراكة صندوق الاستثمارات العامة مع شركات الجامعات، ينطوي على تفاصيل وصيغ مختلفة، كأن تحسب قيمة مساهمة الجامعة بالأرض والتخطيط والتشغيل لاحقاً ومساهمة صندوق الاستثمارات بالتمويل والدعم اللوجستي وغيرها. كما يتمثل في مدة الشراكة وهل تكون مفتوحة أم محدودة الفترة لتعود بعد ذلك ملكية الشركة بالكامل للجامعة، وغيرها من التفاصيل، التي تأتي لاحقاً.

سيكون أمراً طبيعياً تأسيس نظام حوكمة المشروع، عبر لجنة إشرافية عليا ومكتب تنفيذي. قد توضع أولويات بدايات المشروع والجامعات التي يبدأ منها، مثال؛ البعد عن أقرب مستشفى جامعي، عمر كلية الطب، حجم سكان المنطقة، جاهزية الجامعة وإكمالها المتطلبات الأولية...إلخ . مدة المشروع المقترحة 5-7 سنوات، لكن مخرجاته ستبدأ خلال عام أو عامين لوجود مستشفيات قطعت شوطاً في التشييد ويمكن إكمال تأسيسها سريعاً، ولكون أغلب أو جميع الجامعات لديها مخططاتها وأراضيها المخصصة للمستشفيات الجامعية.

المشروع كما نقترحه يتوقع أن يوفر حوالي 50 - 55 ألف وظيفية نوعية، إذا علمنا بأن مقابل كل 1000 سرير يوظف 5000 - 6000 موظف. أما بالنسبة لكلفته فالتقديرات تشير إلى أن كلفة تأسيس السرير الواحد تبلغ حوالي 1.5 مليون دولار، تزيد أو تنقص حسب تخصص المستشفى وتكاليف البناء في بلد التأسيس، مما يعني بأن كلفة تأسيس 8000 سرير ستقارب 12 مليار دولار. التكلفة هنا ستكون في الحد المتوسط حيث طبيعة المستشفيات الجامعية تعتبر مستشفيات عامة في أغلبها، كما أنه بدئ في تشييد بعضها بالفعل، أو هي تجاوزت مراحل الدراسات والتصميم والمسوحات الطبوغرافية مما يقلص الكلفة.

ختاماً، أطرح هذا النموذج كفكرة لآلية خلق الاستثمارات الجامعية بالتعاون مع القطاعات التمويلية المختلفة، سواء صندوق الاستثمارات أو غيره من القطاعات التمويلية الحكومية والأهلية، وقد تكون الشركات الطبية الجامعية جزءًا من شركات جامعية أكبر كشركات الجامعة القابضة.

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.