.
.
.
.

تسبيل المزارع والوجه الآخر

إبراهيم المطرودي

نشر في: آخر تحديث:

وصلت إلى كثيرين رسائل واتسابية، كان مضمونها أن بعض المزارعين سبّل مزرعته -جعلها في سبيل الله-، ومنح خَرافَ النخل -ويجوز كسره- لمن ابتغى الرزق وطلبه، واستقبلت ثلة منا هذه الرسائل والأخبار، ونظرت إليها من خلال كرم الواهب وحبه الخيرَ، ولحظت هذه الحوادث من هذه النافذة، فصارت العلة الأولى والأخيرة عندهم لما أَقدم عليه بعض المزارعين وقام به هي الكرم والندى، ومد يد العون وفتح سبيل الرزق لمن أعوزته الحاجة وضيّقت عليه الفاقة.

وما أنا ممن يَشكّ في دوافع الخير وأسبابه ودواعيه عند الناس، وما أنا ممن يُنكر أن يكون أحد هؤلاء الذين سبّلوا مزارعهم، ودعوا الشباب أن يخرفوا ويبيعوا طلب الرزق وقصدَه؛ داعيه الأكبر ذلك، ولكنّي أنقلُ الوجه الآخر لهذه القصة، وهو وجه وقفتُ عليه، وتدبّرت أمره، ولمثلي حق أن يقول فيه ويتحدث عنه؛ لأنني قديم في الزراعة ضارب فيها بنصيب، فكنتُ في شبابي أُعين الوالد حين إجازاتي، وصرتُ بعدُ مشغولاً بها؛ لأنها بعد الله تعالى مصدر مُدّخرات أبي، ولم يكن أبي فيها وحده فجدي وأبوه، وإخوانه معه، كانت الزراعة بعد الله تعالى نافذة رزقهم وبوابة سدّ حاجاتهم، ولكنهم ما أَثْروا منها أبداً، ولا كثرت الأموال بين أيديهم، بل كانت حياتهم كفافاً، يجنون من الأرباح فقط ما يكفل العيش الكريم، الذي يُغنيهم عن خلق الله وسؤالهم، فمتاعبهم خلف المزروعات، وما يبذلون من جهد وراءها، لو وُضع في كَفّة، ووُضعت الأرباح في كَفّة؛ لرجحت الأولى، وطاشت الثانية، فالمزارع يشقى صيفاً وشتاء وربيعاً وخريفاً، ولا يخرج من هذا كله إلا كما قالوا في المثل المتنازع عليه بين العرب اليوم: "طلع من المولد بلا حمص!".

لا تُعرف حال المزارعين، خاصة أولئك الذين تُعدّ الزراعة باب رزقهم بعد الله تعالى، مِن خلال سوق التمر في بريدة أو غيرها، فمن يرى السوق يخال المزارع أغنى الناس وأكثرهم مالاً، إنّه يحسبُ سعر التمر، الذي انتهى إلى أربعمئة ريال أو ألف، يذهب معظمه إلى جيب المزارع، وينتفع منه هو ومَن يليه، وما درى أنّ في أسواق المنتجات الزراعية بورصة لا تختلف عن بورصات الأسهم العالمية، التي ليس لارتفاع الأسهم فيها سقف محدود! تقفز فيها أسهم، دون وجه معقول، وتنحدر أخرى كذلك، وما يطال المزارع من ذلك إلا مثلُ ما يأخذه العاملون في تلك الشركات التي تُسابق الريح في الارتفاع!

الوجه الآخر لظاهرة تسبيل المزارع، وهو وجهٌ يسعى كثيرون لإخفائه، من باب الصبر والستر وعدم وقوف الناس على شكواهم واللجوء في كل ما يحل بهم إلى الله تعالى؛ هو الكساد الذي أصاب سوق التمر، وأخرج كثيراً من المزارعين خَسَارى، فلم تُطلب ثمرتهم منهم بسعر التكلفة، ولا قريب منها، فاضطروا تخفيفاً للتكلفة أن يجعلوا مزارعهم سبيلاً، يدرُب فيها الشباب على عمل المزارع ويعتادون عليه.

وإذا سألتموني عن وجه تخفيف التكلفة؛ فأقول: إنّ الخَراف خراف التمر له ثمن آخر، تبلغ قيمة الوعاء المملوء منه أربعة ريالات تقريباً، وهذا الثمن سيكون من باب تراكم الخسارة، ومن باب تقليلها والحدّ منها، اتّجه بعض المزارعين إلى تسبيل ثمرة نخيلهم، ويبقى هذا تفسيري للظاهرة، وهو الوجه الآخر الذي ألمسه وراء هذه الرسائل الواتسابية، وليس ما يُحاول فريق منا إذاعته ونشره وحده!

ومما ينبغي الوقوف عليه وانتباه المسؤولين له؛ أنّ المزارع، وهو الخط الأول للزراعة، يصعب عليه أن يدّخر ثمرته ويُعيد صناعتها ويتولّى تسويقها متى كسدت السوق ولم تنفق فيها المحاصيل؛ لأن معنى ذلك أن الدورة الاقتصادية حينها تبتدأ به وتنتهي به، ولأن أعمال إعادة الإنتاج تتطلب نفقات، تزيد تكاليفه، وليس مضموناً بعدها أن ينتفع من جهوده، ويحصل على ما يريد منها، وقد قال الناس قبلنا في أمثالهم: خير البُيوع ناجزُ بناجزٍ.

ولا يجوز لي في الختام أن أنسى أن هذا الكساد، وما صاحبه من قلة الأيدي العاملة، وضعف الطلب على التمر، اجتمع معه أنّ هؤلاء المزارعين لم تكن الزراعة لهم باباً إلى الوفرة المادية، التي يُنفقون منها حين يعرض لهم الكساد، ويُسددون النقص بها، ولعلي بهذا الحديث أسمعتُ بقصة المزارعين الذين لحقتهم الخسائر، وأضرّت بهم كورونا وما صاحبها، ولم أكن أنا وهم كما قال صالح بن عبد القدوس:

إذا كنت لا تُرْجى لدفعِ ملمّةٍ... ولم يكُ للمعروفِ عندك موضعُ
ولا أنت ذو جاهٍ يُعاشُ بجاههِ... ولا أنتَ يوم البعثِ للناسِ تشفعُ

فعيشُك في الدنيا وموتُك واحدٌ... وعُودُ خِلالٍ من حياتِك أنفعُ!

ولعل الدارسين في الجامعات يتجهون إلى الدراسات الميدانية على الزراعة وأهلها، والرعي وأهله، والْمِهن الأوليّة، إذْ لا معنى ولا نفع من جامعات لا تُراقب واقع البلد ولا تدرس تحديات أهله!

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.