.
.
.
.

المتقاعدون بين قسوة الأنظمة والتنمية

عبلة مرشد

نشر في: آخر تحديث:

يتزايد عدد المتقاعدون/‏ات سنويًا، ببلوغ معظمهم سن التقاعد النظامي، لنهاية الخدمة الوطنية، سواء المدنية منها أو تحت مظلة التأمينات الاجتماعية، والذي يُعد في سن مبكرة نوعًا مقارنة بالدول المتقدمة، التي يرتفع فيها سن التقاعد إلى 65 عامًا، وبعضهم يزيد عن ذلك، مقارنة بـ60 عامًا في الدول العربية، باستثناء الأكاديميين الذين تمتد خدمتهم لسنوات طويلة في الدول المتقدمة، وفي بعض الدول العربية، باعتبار إن الحاجة إليهم مستمرة وأنهم قامات معرفية يستمر عطاؤهم ونفعهم باستمرار عملهم، سواء باستثمار عقولهم وجهودهم في مجالات التعليم والبحث العلمي، أو بالعمل في مؤسسات الدولة المختلفة من القطاعين العام والخاص، كمستشارين صقلتهم الخبرة العملية والمعرفية لسنوات.

يُعد التقاعد مرحلة انتقالية مهمة جدًا في حياة الإنسان، لكونه يؤثر في نمط حياته وأسرته وفي مستوى معيشته، بل وفيما يواجه المتقاعد من ضغوط مادية ونفسية واجتماعية مختلفة، ترتبط بالتغيير الكبير الذي يطرأ على وضعه المادي وقدرته على تحمل مسؤولياته المعيشية وتلبية متطلبات أسرته اليومية، بسبب انخفاض دخله الشهري، والذي يمثل الشريحة الأكبر من المتقاعدين، وبما يلحقهم من تأثير متفاوت العمق، على الحالة النفسية لهم، بسبب ما يواجهون من فراغ في أوقاتهم وشتات في فكرهم، لم يعتادوا عليه لسنوات طويلة من العمر، والذي يدفع بكثيرين منهم إلى الدخول في إشكالات أُسرية تظهر سلبياتها في ظروف مختلفة، وتجعلهم يعيشون حالة من القلق والاضطراب في العلاقات الأسرية الممتدة، علاوة على ما يفتقدونه من مكانة اجتماعية اكتسبوها خلال المنصب الوظيفي.

ترتبط نسبة المتقاعدين من السكان في المجتمع، ونسبة تحصيلهم لمعاشات كافية تؤمن حياتهم الاجتماعية، بمؤشرات قياس، لمستوى تحقيق الدول لمعايير التنمية البشرية المستهدفة، ولمتطلبات التنمية المستدامة، وبما يشير لأهمية ما تستحقه تلك الشريحة من ضمانات اجتماعية وخدمات عامة وخاصة، وتسهيلات مختلفة تليق بهم، كفئة تمثل قمة الهرم الإنساني في الخدمة الوطنية بمختلف مجالاتها، والتي بها يستحقون التكريم والاحترام والتقدير، لسنوات من العطاء والكفاح، اختطفت منهم أفضل مراحل العمر في الإنجاز والعطاء، ولتكون المكافأة المأمولة، تأمين حياة كريمة لائقة بهم وبأسرهم، وتيسير لمختلف الخدمات.

بفضل من الله ثم بجهود كريمة وسخية تُبذل من أجل الوطن والمواطنين، تقدمت المملكة منذ سنوات، في مرتبتها في سلم قياس مستوى التنمية البشرية والتنمية المستدامة دوليا، والذي أهلها لأن تكون في مصاف المراتب الأولى للدول العربية والخليجية التي تضمنتها مجموعة الدول ذات التنمية المرتفعة جداً، ولم يكن ذلك ليكون، لولا جهود حثيثة بُذلت وسياسات نُفذت، في القطاعات المعنية بالتنمية، بما يستهدف النهوض بمستوى التنمية البشرية في جميع مؤشراتها ومعاييرها الدولية، وبالمحافظة على مراجعة مستمرة وضبط وتطوير، لما يتعلق بذلك من تحديثات ومتطلبات مؤسسية، تخدم أهدافنا التنموية في مختلف مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

من مفاجآت سياسات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، في سياسات سوق العمل الحر في القطاع الخاص؛ بأن لوائحها وأنظمتها، تمنع المتقاعد الذي تجاوز الستين من عمره، من مزاولة أي عمل حر يسترزق منه المتقاعد باسمه، كما تمنعه من تحصيل أي نوع من المعونات والدعم الذي يجده المواطن دون الستين!، ذلك ما سمعته من مواطن متقاعد، يشرح معاناته، في برنامج حواري على قنواتنا الرسمية.

سياسات التنمية الاجتماعية نحو المتقاعدين، تحول دون تحقيق التنمية البشرية والأمان الأسري بين أفراد المجتمع، اللوائح تمنع المواطن المتقاعد من العمل بجهوده الذاتية في عمل حر باسمه، تمنعه من البحث عن لقمة عيش في وطنه، والذي به سيضيف إلى صحته النفسية والاجتماعية، قيمة إيجابية من المعنويات والمكانة الاجتماعية، وسيسهم في تعزيز دخلنا الوطني وإنتاجنا المحلي من القطاع الخاص، بما يدعم النمو الاقتصادي والانتعاش الاجتماعي ويحد من الفقر.

وزارة البلديات ووزارة التجارة، تمنع المتقاعد ذو الستين عاماً، من استخراج رخصة تجارية لممارسة عمل حر باسمه، لأنه في تقديرهم، غير قادر على العمل بحكم سنه وصحته! السؤال الذي ينتظر إجابة من الوزارة والمسؤولين في القطاعات المختلفة؛ إذا كان المواطن يمارس العمل الحر من ماله الخاص، ويحتاج منكم لإجراءات رسمية تجيز له العمل، فما هي الحكمة من منعه من ذلك؟! وماذا تستهدفون بذلك الحجر؟ وإذا كان يحتاج إلى دعم مادي كقروض أو التمكين من خدمات مساندة، سواء كان مزارع أو ذا توجه صناعي أو غيره، فما هو تبرير المنع في ذلك؟! وهل هكذا إجراءات وسياسات تصب في صالح التنمية الوطنية والبشرية؟ وألا يُعد ذلك مناقضًا لجميع توجهات الدولة ومساعيها نحو تحقيق التنمية البشرية بمعاييرها الدولية والإنسانية؟!؛ وهل تريدون أن يبحث المواطن المتقاعد عن سبل وإجراءات ملتوية وغير نظامية ليمارس عمله الحر؟ وأليس في تلك الإجراءات واللوائح تثبيط للهمم وتعجيز للطموح والإبداع؟!

ومن جانب آخر، تجد أن بعض القطاعات المهمة والتي يحتاج كثيرًا من المتقاعدين زيارتها لإتمام أعمالهم، كوزارة العدل والمحاكم، فإنها تمنع هي الأخرى من تجاوز الـ65 من دخولها!، وبالتالي فهي تلزمه باللجوء لمحامي أو غيره ليقوم بعمل، يستطيع هو القيام به، بما يشعره بذاته، وبأنه ما زال قادرًا على العطاء والعمل، بل وبما يوفر عليه أتعاب يضطر لدفعها لمحامي أو متسبب قد يستدين لينجزها!

نحتاج لتطوير وتحديث سياسات وإجراءات سوق العمل، وما يتعلق بها من التوظيف والتوطين، وتوجيه الاستثمار وحمايته، بما يتوافق مع رؤيتنا الإستراتيجية وأهدافنا التنموية، التي تسعى نحو تحقيق التنمية المستدامة في جميع مساراتها، والتي يمثل فيها المواطن القاعدة التي ترتكز عليها التنمية، والذراع الذي به نحقق تطلعاتنا الوطنية.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.