.
.
.
.

التعليم والقيادة بالقدوة

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

في بداية السنة الدراسية نظر معلم السنة الرابعة ابتدائي إلى أسماء الطلبة في صفة فوجد من بينهم اسم ذلك الطالب لمعروف بأنه من أسوأ الطلبة سلوكاً في المدرسة، رغم ذكائه وسرعة استيعابه إلا أن المعلمين كثيراً ما يشتكون منه وكذلك الطلبة، وحتى مدير المدرسة يعرفه جيداً. والده غير مهتم بسلوك ابنه ولم يلتفت لشكاوى المدرسة، قرر المعلم أن يستخدم أسلوباً مختلفاً مع هذا الطالب، حال دخوله الفصل بدأ يتحدث إلى الطلبة كل باسمه ويثني على كل منهم بما يعرفه عنهم، فهذا يجيد الرسم وذاك مميز في الرياضيات وهكذا، وحين وصل إلى صاحبنا المشاغب نظر إليه مباشرة ثم قال له: أنت قائد بالفطرة وأنا بأشد الحاجة إلى مساعدتك في جعل هذا الفصل أفضل فصول المدرسة، ثم بدأ يمتدحه في كل عمل جيد يقوم به، يقول هذا المعلم: تغير هذا الطالب وتحولت طاقاته وقدراته من المشاغبة إلى التميز، وأصبح في تحسن مستمر محاولاً أن يكون عند حسن ظن معلمه به.

التشجيع والثناء يعطي نتائج أفضل من التوبيخ والعقاب، أتذكر حين كنا طلبة في متوسطة ابن خلدون قسمونا إلى فصلين، فصل المشاغبين وأكثرهم من كبار السن، وفصل المجتهدين، وقد استمر فصل المشاغبين في إثارة المشكلات والعقبات أمام إدارة المدرسة، حتى إنهم في أحد الأيام فصلوا الكهرباء عن المدرسة، وقد تعامل معهم المدير بحزم لعدم تكرار ذلك، أما الفصل المميز فكان طلبته في تنافس فيما بينهم لما وجدوه من تشجيع وتحفيز من قبل والمعلمين والإدارة.

وجود معلم مميز في المدرسة مثل صاحبنا الذي في أول المقال كفيل بأن يصبح مثالا يحتذى من قبل بقية المعلمين أو المعلمات في المدرسة، مدير المدرسة أو المعلم المميز والمخلص يعد ثروة لا تقدر بثمن، وعليه أسوق المقترحات الآتية:

أولاً: للقيادة قوة غير عادية، فهي تمثل الحد الفاصل بين النجاح والفشل في أي شيء نعمله، والقيادة بالقدوة من أفضل أنواع القيادة تأثيراً ونتيجة، سواء كان ذلك في مدرسة ابتدائية أو جامعة أو مؤسسة في القطاع الخاص، لقد رأينا دولاً وشركات عالمية تصعد إلى الفضاء بفضل قيادتها، وأخرى تنزل إلى الحضيض بسبب قيادتها أيضا، وفي اعتقادي أن أهم عناصر نجاح المدرسة أو الجامعة قيادتها، مما يحتم وجود برنامج لاختيار قادة المستقبل وتأهيلهم في وقت مبكر، ثم ابتعاثهم لأفضل الدول ليطلعوا على أفضل ممارسات التعليم، وتزويدهم بكل ما يحتاجونه من صلاحيات وحوافز لأداء مهمتهم، مما سيرتقي بتعليمنا أكثر من أي عنصر آخر.

ثانياً: المعلم وليس وسائل الإيضاح أو البيئة المدرسية -رغم أهميتها-، هو من يصنع الفرق، حيث يعتمد نجاح المدرسة في مهمتها بنسبة 70 % على جودة المعلمين، وهذا يتطلب التركيز على حسن اختيار المعلم أو المعلمة، وتأهيله وإعطائه الحوافز المادية والمعنوية، وجعله يؤدي مهمته براحة وفي أجواء من المودة والمرح بينه وبين زملائه وبينه وبين طلبته، دون تحميله فوق طاقته من حيث عدد الحصص أو طول المقرر الذي ينتهي باختبار في آخر العام، وبدلاً من ذلك يركز على التطبيق والتجارب والممارسة، تعليم يجعل الطالب هو محور النقاش والتفاعل، وتطبيق مفهوم الاكتشاف الممتع، وتنمية الطاقات والقدرات، مفهوم يؤسس للغد المشرق الجميل لوطن يزداد بهاء وسعادة وجمالاً.

ثالثاً: الكفاءات المميزة في المدارس والجامعات يجب أن يحتفظ بها ولا يفرط بها رغم أهمية التوطين لتلك الوظائف، الكفاءات الممتازة تعتبر ذخيرة وخبرة وقدوة للطلبة والمعلمين والأساتذة، ويجب أن يحتفظ بها لأطول وقت ممكن، التعليم والصحة من العلوم التي بحاجة دائمة إلى الكفاءات خصوصاً من الدول المتقدمة للاطلاع على أحدث الممارسات والتقنيات، حين كنت في زيارة ضمن وفد مجلس الشورى للنرويج، زرنا إحدى الجامعات وحين قدم لنا مدير الجامعة إيجازاً بدأه بقوله: نفتخر أن 25 % من أعضاء هيئة التدريس أجانب، نستقطبهم من كل مكان وشرطنا الوحيد هو التميز. لقد تأثر التعليم العام في المملكة بتفريغه من الكفاءات الأجنبية منذ عشرات السنين لمكافحة البطالة، مع أن أفضل وسيلة لمكافحة البطالة هي جودة مخرجات التعليم، وآمل ألا يطبق الإحلال في الجامعات والمدارس الأهلية والعالمية بنسبة 100 %، بل نبقي الأفضل في علمه وأدائه، مع البحث المستمر عن الكفاءات أينما وجدت واستقطابها لتصبح قدوة ومصدر خبرة.

التعليم هو الأكثر تأثيراً على الحاضر والمستقبل، وكما يقال: روضة الأطفال تعادل في أهميتها وتأثيرها سرّية عسكرية على الجبهة، فكلاهما صمام أمان وثروة لا تقدر بثمن.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.