.
.
.
.

معارك المشاهير والشهرة

أمجد المنيف

نشر في: آخر تحديث:

منذ سنوات قريبة، والمشاهير -بكل ما ينشرون ويعبثون ويخطئون ويتميزون- هم الحديث الأول، في المنصات الرقمية والمجالس العامة وأزقة النوايا. هناك شخصيات شهيرة هادئة، تظن بزوالها أحيانًا، وغيرها تعيش يومها في الإثارة، سواء نجحت أو غرمت، لا يهم ما دامت تحقق الهدف.

لدينا جدالات دائمة، تتجدد بين فترة وأخرى، وغيرها طارئة وعابرة، تموت مع ولادة أو حدث جديد. أحد أهم المعارك القديمة الدائمة -وهي بالأغلب بين المنتمين للصحافة الكلاسيكية وبين المشاهير في الشبكات الاجتماعية- حول مصطلح أو تصنيف «إعلامي»، حيث يرى الطرف الأول أحقيته باللقب، واستثناء الجديد. شخصيًا، لا أظن أن هناك من يُسمَّى إعلاميًا.. يفترض أن تفرز المسميات بوضوح: صحافي، كاتب، مصور، مخرج.. وغيرها. وبالنسبة للمشاهير، من حقهم أن ينتموا لهذه التصنيفات، طالما تم الأخذ بالشروط والاعتبارات ذات العلاقة والأعراف الصحفية.

أمَّا السؤال القديم: لماذا تميز أصحاب الحسابات الرقمية الشهيرة، وفازوا بهذا القبول أو الانتشار، مقارنة مع انحسار الصحافة، أو حتى بالمقارنة بالمجتمعات الغربية؟.. توجد العديد من العوامل والأسباب التي تختلف وتتطور. ولكن من وجهة نظري الشخصية، يتمثل السبب الأهم في تجاهل الصحافة لما يُعرف بـ»الصحافة الشعبية»، سواء فيما يتعلق بنقل الآراء العامة أو بالاهتمام بما يشغل فضول الناس، وخلق جدر كثيرة نمت وشاخت مع الوقت بين الناس والصحافة. وهذا ليس لومًا، أو تسبيبًا يرمي للعتاب، وإنما محاولة للوقوف عن المعطيات، مع الأخذ بالاعتبار كل سياق مصاحب.

وحول ما يقدم هؤلاء المشاهير، يوجد فريق متعصب لهم ولأفعالهم، مهمته الدفاع والتبرير. وفريق آخر مناهض، يطلب ملاحقتهم وعقابهم، ووضعهم في سلة تصرفات موحدة. وفرق غيرها لا تكاد تظهر تنظر بموضوعية.. ولهذا من الضروري التأكيد على أن الفيصل هو النظام، والقوانين التي تنظم حضورهم ومنشوراتهم، بلا أي مجاملة أو تحيز.

من المهم أن نتذكر أن الآراء الشخصية لا يفترض أن تقودنا للمطالبة بنفي الرأي المخالف، وأن الاختلاف والتعددية (بما لا يتجاوز القانون)، من أهم صفات المجتمعات المتحضرة. ما يعجبك قد يكون سيئًا لدى غيرك، وما لا يعجبك قد يكون محببًا لدى آخرين.. تذكر ذلك جيدًا.

أيضًا، يفترض استيعاب التغير في المجتمع والتقنية وذائقة الناس، والمساهمة في الاستفادة من مثل هذه المنصات والمواهب، وتقديم حسن النوايا قبل أي تقييم. وإدراك التنوع في الخلفية الثقافية والمعرفية بين المشاهير، والتيقن بأن الشهرة «المفاجئة» قد تكون مربكة للأكثرية، وتدفع بهم للتصرف بطرق قد لا تكون متوازنة، أو للفوز بأكبر قدر من الإعلانات والانتشار.. مع ضرورة التشديد على أهمية خلق الأنظمة التي تحول العمل إلى شكل احترافي، من أجل عدم القفز على أي من الأنظمة الأخرى، ولترتيب العمليات المالية، وضمان عدم وجود أي تجاوزات.

سيأتي يوم تكون فيه الشهرة للشخص غير المشهور؛ لأن الجميع سيكون مشهورًا. مهم ألا نفترض أن كل محتوى يجب أن يكون هادفًا، ما يجعل المشاهير تحت ضغط المحاكمة الدائمة، والمتابعين بقبعات القضاة! ويدفع بالعديد من المشاهير للأقنعة أو التكلف، والحديث بمعلومات تحتاج إلى دقة المختصين.

كل شيء يأخذ وقته حتى يرتب ذاته، ويتشكل بصورته الأخيرة. سيحدث هذا -بالتأكيد- مع المنصات الرقمية. ستزول الانتقادات والمخاوف وربَّما المنصات نفسها.. ويبقى السؤال: هل نحن مجتمع جامد أم مرن؟ والسلام..

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.