.
.
.
.

المدير الذي أتعب من بعده

عصام أمان الله بخاري

نشر في: آخر تحديث:

قبل عدة سنوات وقت عملي كملحق ثقافي للمملكة العربية السعودية في اليابان، حضرت الاجتماع السنوي للملحقين الثقافيين في وزارة التعليم العالي وقتها في الرياض، وجرت العادة أن الملحق الثقافي يعود للمملكة أو ينتقل لبلد آخر بعد مرور أربع سنوات إلا في حالات نادرة. وصادف ذلك الوقت انتهاء مدة تكليف أحد الملحقين الثقافيين الناجحين والذي ذاع صيته من حيث تعامله الراقي واهتمامه بالمبتعثين ومن حيث حضوره الإعلامي في البلد المضيف، وكانت الإشاعات حول ترشيح أحد الزملاء ليحل محله كملحق ثقافي جديد في ذلك البلد، وسألت ذلك الزميل عما إذا كان متحمساً لتلك المهمة؟ فأجابني قائلا:" سأرفض بكل تأكيد!"، وعندما سألته عن السبب أجابني بقوله: "ذلك الملحق الثقافي أتعب من بعده، فسبب أدائه المميز سيكون الملحق الجديد دوماً في محل المقارنات والانتقادات من الطلاب ومن مسؤولي الوزارة ومن السفير ومسؤولي الجامعات هناك، ولا يمكن أن يقبل بخوض هذه التجربة شخص عاقل إلا إذا كان متعطشاً لأي منصب دون التفكير في العواقب!".

في الواقع أتفهم مخاوف الزميل الذي رفض فعلاً أن ينتقل للملحقية من بعد ذلك الملحق الثقافي الناجح، ولكن في الحياة المهنية ستصادفنا الكثير من المواقف التي يجد فيها الإنسان نفسه في المنصب من بعد شخصية صنعت أمجاداً وإنجازات كبيرة للمنظمة، ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون هو التركيز على محو تلك الإنجازات وإخفاء اسم تلك الشخصية أو الشخصيات السابقة والعمل على السطو على تاريخ المنظمة أو القسم بنسبة جميع النجاحات لشخص المدير الحالي.

أما أسوأ الممارسات على الإطلاق فهي الحرب المعلنة والخفية على الموظفين القدامى والذين صنعوا الإنجازات مع الإدارات السابقة والسعي إلى تطفيشهم وتهميشهم وعزلهم وذلك للتشفي والانتقام من المديرين السابقين في سلوك ينم عن عقلية طفولية ونفسية مريضة.

أما الوضع المثالي فأراه في العمل المؤسسي المتكامل بالبناء على ما سبق من إنجازات ونجاحات مع السعي إلى التطوير والتحسين والتغيير الإيجابي الذي يخدم المصلحة العامة وليس المصالح الشخصية الضيقة وعبر احتواء الموظفين وتدريبهم وتطوير مهاراتهم وإعداد الصف الثاني ليتولوا القيادة من بعد رحيلك بنجاح واقتدار.

وباختصار، ليس الهدف لك كمدير أو مسؤول أن تتعب من بعدك، بل أن تريح ضميرك بأن تضمن أنك قدمت كل ما يمكن لخدمة الناس ونفعهم وصناعة الأثر الإيجابي ولم تطعم نفسك أو أبناءك من حرام ولم تستخدم سلطاتك وقوتك لظلم أحد أو إيذائه، إذا فعلت ذلك فأنا أضمن لك أنك لن تتعب من بعدك بل ستحفزه لتجاوزك والتفوق عليك إذا كان شخصاً نظيف القلب.... وأختم بالحكمة القائلة: "لا تحاول تحسين صورتك لأحد، كلنا عاديون في نظر من لا يعرفنا، مغرورون في نظر من يكرهنا، جيدون في نظر من يعرفنا، رائعون في نظر من يحبنا".

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.