.
.
.
.

المهم تحقيق الهدف

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

يقول الأديب أميل زيدان: لست أنسى قصة رواها لي والدي وأنا في مقتبل العمر، قصة لها معانٍ بعيدة ولذا رسخت في ذهني وأعانتني في أحرج الأوقات، قال: "ركب جندي بريطاني حماراً في طريقه إلى ثكنته بالعباسية في مصر.. وكانت الحمير من وسائل النقل المألوفة في ذلك الوقت، وكان صاحب الحمار وهو يعدو خلفه يوجه إليه ألوانا من السباب ثقة منه أن الجندي لا يفقه شيئاً مما يتلفظ به.. لكن أحد المارة استوقف الجندي وقال له: أتدري ما يقول صاحب الحمار؟ إنه يسبك ويصفك بكيت وكيت.. فما كان من الجندي إلا أن سأله: وهل هذه الألفاظ تمنعني من الوصول إلى الثكنة؟ قال: لا طبعاً.. فقال الجندي إذن دعه يقل ما يشاء، فما يهمني هو أن أصل إلى حيث أريد.

هذه القصة تفسر كيف يفكر الغرب والإنجليز بشكل خاص في تعاملهم مع التحديات التي تواجههم أثناء تنفيذ خططهم بعيدة المدى، وينطبق على هذه القصة ما نراه في تعامل الغرب مع من يرفع اللافتات الكبيرة والأعلام المكتوب عليها: "الموت لأميركا وإسرائيل" فكأني بهم يقولون: قولوا ما تشاؤون ما ظللتم تنفذون أجندتنا التي رسمناها لكم في هذه المنطقة.

من أهم الدروس التي نخرج بها من هذه القصة هو أن الدول ينبغي لها أن تحدد أهدافها بكل وضوح، بعدها تبدأ بتنفيذها دون الالتفات إلى ما يعترض طريقها من منغصات أو مثبطات داخلية كانت أو خارجية. وما ينطبق على الدول ينطبق على الأفراد، فمن السهولة أن ينصرف الشخص عن أهدافه التي رسمها إلى أهداف جانبية، ويندر أن تجد شاباً طموحاً يعرف ما يريد ويبذل جهده للوصول إلى هدفه إلا وفقه الله إلى ذلك.

تنطلق الدول المتقدمة في سياساتها من مصالحها القومية، وتضع في سبيل ذلك خططاً بعيدة المدى، مع وضع بدائل في حالة الإخفاق أو وجود عقبات كثيرة وهزائم غير متوقعة كما هو اليوم في أفغانستان. فمع كل انتصار أو هزيمة تكلف مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية بدراسة النتائج ومن ثم ترفع التقارير لأصحاب القرار، وأرى أن من أهم ما يدرس في مراكز أبحاثهم هذه الأيام هو كيف سيكون الوضع داخل أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابل؟ كيف ستكون علاقتها مع الغرب؟ ومدى إقامة علاقات اقتصادية ودبلوماسية معها؟ ما موقف الصين (منافسها الأول) من الحركة؟

تحديات هذه المنطقة كثيرة وكبيرة، والمملكة أخذت على عاتقها السعي المستمر لتحقيق الأمن والاستقرار في كل الدول المجاورة، وكما يقال فإن أفضل وسيلة لمنع الحروب هو الاستعداد لها، وأفضل وسيلة للتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية هو مواصلة المزيد من الإصلاحات في الداخل، فالجبهة الداخلية هي الأهم وهي صمام الأمان، ولذا كانت أولى الخطوات التي قامت بها المملكة ومنذ تولي الملك سلمان هو وضع الرؤية والبرامج التي تحقق جودة الحياة وتخدم الاقتصاد على المدى الطويل، وهذا هو ما يتابعه ولي العهد الأمير محمد بكل عزم وحزم لإنجاز كل أهداف الرؤية.

قصة صاحب الحمار والجندي تبين الفرق بين من يخطط ويعمل وبين من يتحدث ويشجب. العزم والصبر هو ما يجب أن تأخذ به الدول والأفراد لتحقيق أهدافها بعيدة المدى، فلا تلتفت إلى من يحاول أن يشكك أو يقلل من إنجازاتها، أو يصرفها عن تحقيق رؤيتها، بل تستخدم كل الوسائل والطرق لتحقيقها، ولنتذكر المثل الصيني الذي يقول: "قطة سوداء أو بيضاء لا يهم، المهم أن تصطاد الفئران".

الدول الكبرى تنطلق في سياساتها من مصالحها الخاصة، وبخطط مدروسة ومن أكثر من جهة مختصة، ولديها مطابخ تنضج القرارات على نار هادئة، لتأخذ بالاعتبار كل النتائج واحتمالاتها، ومع هذا تكون الأخطاء في بعض الأحيان فادحة كما هو في غزو العراق وأفغانستان، فالنتائج على أرض الواقع تختلف عن الخطط على الأوراق والخرائط.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.