.
.
.
.

سِرٌ «وطني الحبيب» و«فوق هام السحب»

محمد الرشيدي

نشر في: آخر تحديث:

على مدى تاريخ الاغنية السعودية، من وجهة نظري أبرز الأغاني التي تغنت بالوطن ومازالت عالقة في أذهاننا حتى وقتنا الحاضر، أغنية "وطني الحبيب"، وأغنية "فوق هام السحب"، وأنا أقول الأبرز؛ لأن الغناء للوطن جميل مهما كانت نوعية ومستوى الأغنية بطبيعة الحال.

من المفارقات أن "وطني الحبيب" قارب عمرها منذ انطلاقتها الخمسين عاماً، وحسب مقال مميز عنها للزميل عبدالرحمن الناصر، ذكر أنها تعتبر أول أغنية وطنية سعودية بالمفهوم الحديث، ورغم ذلك ورغم الاختلافات التي ظهرت في فترة من الفترات حول كاتب هذه الأغنية العظيمة، إلا أن سر استمرارها ونجاحها حتى وقتنا الحاضر، يعطي دلالة على أنها كانت بالفعل حالة إبداعية مختلفة للراحل طلال مداح؛ كون الكلمات مرتبطة بإرث الأرض والقيم والأهم ارتباطها بمكانة بلادنا من الناحية الروحية بوجود مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ارتباط يعطي مدلولاً مختلفاً لماهية وطننا، ولا أدل على ذلك ما ذكره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - حفظه الله -، عندما كان يتحدث عن الماضي، وتأكيده أن قيمتنا الأساسية في المملكة العربية السعودية وجود مكة والمدينة، وهذا شرف كبير، يجعل بالفعل وطننا الحبيب مختلفاً بكل ما تعنيه الكلمة.

"وطني الحبيب" هي نموذج لحالة إبداعية تلامس شجن وروح المواطنة بمعناها الحديث، هي غزل وكبرياء وغرور، هي مراحل قصة تحكي عن علاقة وطن بحالة من العشق، بكلمتين هما "وطني الحبيب"، أما "فوق هام السحب" والتي تعتبر من الأغاني الخالدة في تاريخ الفن السعودي، فهي تمثل حالة مختلفة، تنبع من كونها تتجاوز مرحلة التغني المعتاد بوطن، لمرحلة الزهو بهذا الوطن، وهي أعلى المراحل في الغزل والتغزل بالأوطان، ووفق فيها محمد عبده بصورة إبداعية كما رسمها ككلمات فخمة الأمير بدر بن عبدالمحسن.

الغناء للوطن وفي تاريخنا السعودي خصوصاً، نماذج عديدة ورائعة ومختلفة، والجميل وكما سبق أن ذكرت ذلك في مقالات ماضية، أن تقبل ونجاح الأغاني الوطنية لدينا هو حالة مختلفة، فالمعتاد أن الكثير من الأغاني الوطنية في الكثير من البلدان، هي وقتية وأغاني مناسبات لا تدوم طويلاً، كونها ترتبط بالحدث فقط، أما لدينا فالأمر مختلف، تجد ارتباطنا بالأغاني الوطنية التي اشتهرت بصورة مغايرة للآخرين، لدينا عشق مختلف، والسبب الرئيس من وجهة نظري أنها بسبب ارتباط حالة عشق الفن بإنسان هذا البلد، واندماجه بموروثه الغنائي كلٌ حسب منطقته ومدينته، لذلك نجد أن الغناء للوطن يجمعنا بصورة غير مباشرة ونرتبط به بتعلق مثير بالفعل، فلا تستغرب أو تندهش عندما تكون في حفل غنائي عام ويكون من ضمن فقرات هذا الحفل أغنية وطنية، ليست مفروضة أو مشروطة، بل كون الوطن هو الحب الذي لا يرتبط بيوم أو مناسبة، هو شجن فاخر لدينا، فهل ستظهر روائع تتفوق على "وطني الحبيب" و"هام السحب"؟ ممكن.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.